Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
اهبطوا مصرا انحدروا إليه من التيه. يقال: هبط الوادي إذا نزل به وهبط منه من ذلك كما قال المصنف. فإنه خير في اللذة والنفع وعدم الحاجة إلى السعي ولا سيما أن ما أنزل عليهم لا شبهة في حله وخلوصه مما يدنسه بخلاف ما سألوه، فإن الأرض وما ينبت منها يتخللها البيع والغصب وظلم الدابة فلا يخلو عن شائبة الشبهة فكان أدنى من هذا الوجه أيضا. وذهب أكثر المفسرين إلى أن ذلك السؤال منهم كان معصية لتضمنه استخفاف ما أنعم الله تعالى به عليهم من المن والسلوى وهو معصية. وقال الإمام: إن ذلك السؤال ليس بمعصية لأن قوله تعالى: كلوا واشربوا عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم: لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام له أن يسأل غير ذلك فلا يكون بسؤاله عاصيا فقوله تعالى:
ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤ بغضب من الله لا يجوز أن يكون مبنيا على ما تقدم من السؤال بل هو مبني على ما ذكره الله تعالى بعد ذلك، وهو قوله ذلك بأنهم: كانوا يكفرون بآيات الله الآية. والظاهر أن ذلك السؤال منهم لا يخلو عن قباحة وسوء أدب لتضمنه الكفران بجلالة قدر ما أنزل عليهم من غير تعب وكد لا سيما إدا مهد بنفي الصبر عليه مؤكدا بكلمة «لن» حيث قالوا: لن نصبر على طعام واحد أي لن نقدر على حبس أنفسنا على نوح واحد من الطعام وهو المن والسلوى. فالله تعالى خصهم بما لم يعطه طائفة من طوائف الأنام ثم إنهم استخفوا ذلك ونزعوا إلى ما يحصل بالزراعة والشقاء مما لا قدر له في جنب ما رزقوه، فلذلك وبخهم الله تعالى بذلك وعده من جملة مساويهم وقبائح ما صدر عنهم بعدما ذكرهم بجلائل نعمه وعظيم فضله وإحسانه. فإن قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم [البقرة: 47] إلى قوله: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر الآية تذكير لنعمه وتعداد لها عليهم. ثم شرع في تذكيرهم قبائح ما صنعوا في مقابلة تلك النعم المذكورة فقال: وإذ قلتم يا موسى أي واذكروا أيضا ما وقع منكم إذ قلتم إلى آخر الآيات المتعلقة بذلك. والله أعلم.
قوله: (انحدروا إليه) أي انزلوا يحتمل أن يكون التيه في صعود ويكون المصر في هبوط. ويحتمل أن يكون الهبوط مطلق النزول من غير أن يلاحظ كونه من أعلى إلى أسفل.
والظاهر أن قوله: اهبطوا مصرا من جملة مقول قال في قوله تعالى قال: أتستبدلون الذي هو أدنى ثم إن كان القائل هو الله تعالى بأن سأل موسى عليه السلام ذلك من ربه فأجاب الله تعالى منكرا عليهم بقوله على لسان موسى عليه السلام: أتستبدلون الخسيس بالشريف وبقوله وإن أبيتم إلا ذلك فاهبطوا مصرا من الأمصار فإن ما سألتم لا يوجد في البرية وإنما يوجد في الأمصار، فالمناسب حينئذ أن يكون قوله: اهبطوا مصرا أمر تعجيز
Page 70