Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته. والعقل في الأصل الحبس سمي به الإدراك الإنساني لأنه يحبسه عما يقبح ويعقله على ما يحسن، ثم القوة التي بها النفس تدرك هذا الإدراك. والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه سوء صنيعه وخبث نفسه، وإن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته. والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل ليقوم فيقيم غيره لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر.
تعقلون، وكذا أفلم يروا أي اعموا فلم يروا. ثم إنه قد خالف هذا الأصل ووافق الجمهور في مواضع فقال فيها بما ذهبوا إليه. وفي الحواشي السعدية: فإن قيل: هذا أقوى دليل على أن قبح هذه الأشياء عقلي قلنا: على أنه شرعي حيث رتب هذا التوبيخ على ما صدر عنهم بعد تلاوة الكتاب فإنه تعالى اتبع ذمهم بحكمين محققين عنهم أحدهما قوله: وأنتم تتلون الكتاب وتتدبرون التوراة وثانيهما قوله تعالى: أفلا تعقلون تنبيها على أن الجامع للعقل وتتبع الكتاب ليس من حقه أن يأمر الغير بما لا يفعله. قوله: (والعقل في الأصل الحبس) والمنع الشديد. ومنه: عقل البعير يعقله عقلا وهو أن يثني ساعده على ذراعه فيشدهما جميعا في وسط الذراع بحبل، وذلك الحبل يسمى عقالا. والعقول بالفتح الدواء الذي يمسك البطن، والعقيلة العنس الممنوعة من الإخراج، واعتقل لسانه أي احتبس ثم نقل إلى معنى الإدراك لاشتماله على معنى الحبس، ثم نقل إلى سببه وهو القوة التي تدرك بها النفس هذا الإدراك فغلب استعماله في القوة المذكورة وصار حقيقة عرفية. قوله: (والآية ناعية) أي مخبرة ومظهرة بسوء صنيعه وخبث نفسه يقال: فلان ينعي على فلان ذنوبه أي يظهرها وينشرها، فإن من يدعي مصلحة وهو يجتنبها إما كاذب في دعواه وإما خبيث النفس. والآمر بالمعروف ليس بكاذب فإذا تبرأ منه تعين أنه خبيث النفس ومثله لا يقتدى به ولا يقبل قوله كما لا يقبل قول الكاذب. قوله: (وإن فعله فعل الجاهل بالشرع) ناظر إلى أن يكون مفعول قوله تعالى: أفلا تعقلون محذوفا وقوله: «أو الأحمق الخالي عن العقل» ناظر إلى أن ينزل منزلة اللازم. قوله: (فإن الجامع بينهما) أي بين العلم بالشرع: وفضيلة العقل تأبى شكيمته عن فعل ذلك الوعظ وهو علة لكون فعله فعل من كان فاقدا لأحد الأمرين: العلم بالشرع والتحلي بالعقل، والشكيمة في الأصل الحديدة المعترضة في فم الفرس وإباء الشكيمة مثل في عدم الانقياد في فعل من الأفعال. قوله: (والمراد بها) أي بالآية لما احتج بهذه الآية وبقوله تعالى: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون على أنه يشترط في من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون عدلا بريئا من الفسق والمعصية. أجاب عنه بأنه ليس
Page 30