597

Hashiya Cala Tafsir Baydawi

حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي

Régions
Turquie
•
Empires & Eras
Ottomans

واستعينوا بالصبر والصلاة متصل بما قبله كأنهم لما أمروا بما شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا بذلك. والمعنى استعينوا المراد بالآية منع الفاسق عن الوعظ حتى تكون حجة بل المراد بها حث الوعظ على أن يزكي نفسه أولا عن الرذائل حتى يستقيم ثم يقوم غيره. فإن الواعظ من الوعظ يجري مجرى المظلة من الظل والطابع من المطبوع، ومحال أن تعوج المظلة فيستوي ظلها أو يمكن للطابع أن يوجد في مطبوعه أحسن مما في طبعه، ولهذا قيل: كفى بالمرء ذما أن يعظ غيره وينسى نفسه. فالذم في الآية راجع إلى ارتكاب الواعظ ما نهى عنه لا عن نهيه عن المنكر، فإن المكلف مأمور بشيئين: أحدهما ترك المعصية والآخر نهي الغير عن فعلها والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر. فإن قوله: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وإن كان نهيا عن الجمع بينهما إلا أن المراد النهي عن نسيان النفس مطلقا لا سيما حال كونه واعظا للغير. قيل: القاعدة أن المنكر بالهمزة يجب أن يليها، وقد أشكل على ذلك هذه الآية. فإنه إن كان المنكر أمر الناس بالبر فقط كما تقتضيه القاعدة المذكورة فمشكل، لأن أمر البر ليس مما ينكر وإن كان نسيان النفس فقط فكذلك لأنه يكون ذكر أمر الناس بالبر لا مدخل له في الإنكار، وإن كان مجموع الأمرين يلزم أن يكون الأمر بالبر عبارة عن جزء من المنكر وإن كان نسيان النفس بشرط الأمر. ورد أن يقال: إن النسيان منكر مطلقا وليس نسيان النفس حال الأمر أشد شناعة منه حال عدم الأمر، لأن المعصية لا تزداد شناعة بانضمامها إلى الطاعة، فإن أكثر العلماء على أن الأمر بالبر واجب وإن كان الإنسان ناسيا لنفسه. ثم قيل: وظهر لي في الجواب أن يقال: يحتمل أن يكون من المقرر عندهم في التوراة أن الأمر بالبر شرطه الامتثال، وأنه إذا لم يفعل ما أمر به يكون أمره غير معتد به ولا مثابا عليه وإن كان مقتضى شرعنا خلاف ذلك، فوردت الآية على نسق ما عندهم. وهنا جواب ثان: وهو أن البر المذكور هو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ولما لم يؤمنوا به لم يكن أمرهم به طاعة لأن شرطها الإيمان وطاعات الكافر لا يعتد بها فسقط بذلك إشكال الإنكار على نسيان الأنفس عند ضمه إلى الطاعة.

قوله: (متصل بما قبله) رد لقول من قال: إن المخاطبين بقوله تعالى: استعينوا هم المؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم وقد انتهت التكاليف والتوبيخات لبني إسرائيل في الآية السابقة. وهذا الخطاب منفصل عما سبق من الخطابات وذلك لأن من ينكر الصلاة أصلا والصبر على مشاق دين محمد صلى الله عليه وسلم لا يكاد يقال له: استعن بالصبر والصلاة فلا جرم وجب صرف هذا الخطاب إلى من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. ولا يمتنع أن يكون الخطاب أولا متعلقا ببني إسرائيل ثم يستأنف خطاب آخر متعلق بالمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. ولم يرض أكثر المفسرين بهذا القول بناء

Page 31