Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
وصف بها البارىء تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة. الرحيم (37) المبالغ في الرحمة، وفي الجمع بين الوصفين وعد للتائب بالإحسان مع العفو.
قلنا اهبطوا منها جميعا كرر للتأكيد أو لاختلاف المقصود فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك. والتنبيه على أن مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين وحدها كافية للحازم أن تعوقه عن مخالفة حكم الله تعالى فكيف بالمقترن بهما؟ ولكنه نسي ولم نجد له عزما وأن كل واحد منهما كفى به نكالا لمن أراد أن بالتواب المبالغة في التوبة وذلك من وجهين: الأول أن واحدا من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر له فإنه يقبل الاعتذار، ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر. أما الله تعالى فإنه يفعل بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان والتفضل. فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقي على هذه الحالة زمانا طويلا لكان يغفر له ما قد سلف ويقبله فصار بذلك مستحقا لأن يوصف بالمبالغة في قبول التوبة. وقيل:
إنما هو التواب على طريق قصر المسند إليه. والثاني أن الذين يتوبون إلى الله تعالى يكثر عددهم فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك، ولما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب وكان الثواب من جهته تعالى نعمة ورحمة وصف تعالى نفسه مع كونه توابا بأنه رحيم.
قوله: (كرر للتأكيد) يعني أن المأمور به هبوط واحد وهو الهبوط من الجنة إلى الأرض فلم أمر به مرتين؟ فالتكرير متعلق بالمحكي وهو الأمر بقوله: اهبطوا فلما كرر المحكي كررت الحكاية وهي قوله تعالى: قلنا اهبطوا فإن قلت: فلم قدم ذكر تلقي الكلمات عليه مع أن التوبة إنما صدرت وهو على الأرض فكان حقها أن تذكر بعد تقرير أمر الهبوط والفراغ من ذكره؟ قلنا: ذلك التقديم لفرط الاهتمام بصلاح حاله وفراغ باله والإخبار بالتجاوز عن هفوته وإزاحة ما عسى يتشبث به الملائكة فيما زعموا في حقه وقد فضله عليهم. وفيه بحث لأن ما يتشبث به الملائكة في ذلك إنما هو في المحكي ولا تقديم فيه، وإنما التقديم في الحكاية وليس فيها ما يتشبثون به في ذلك لأنها بعد الوقوع بأزمنة متطاولة فأين أحدهما من الآخر؟ اللهم إلا أن يقال القرآن إنما ثبت في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذي هو عليه الآن قبل خلق آدم عليه السلام، فجاز أن يطلع الملائكة فيه على زلة آدم ويطلعوا عقيبه على توبته وقبولها ويزول ذلك. إلى هنا كلامه. ولا يخفى أن فرط الاهتمام بالإخبار بإزاحة ما عسى يتشبثون به فيما زعموا في حقه، ألا ترى أنه قد تعدى ما
Page 555