Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
بالتشبع. وكان من الكافرين (34) أي في علم الله أو صار منهم باستقباحه أمر الله تعالى إياه بالسجود لآدم اعتقادا بأنه أفضل منه والأفضل لا يحسن أو يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به كما أشعر به قوله: أنا خير منه [ص: 76] جوابا لقوله: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين [ص: 75] لا بترك قوله: (أي في علم الله تعالى أو صار منهم) لما احتمل أن يكون قوله تعالى: وكان من الكافرين تعليلا لإبائه واستكباره على معنى: كيف لا يمتنع ولا يستكبر على امتثال ما أمر به وقد كان من الكافرين؟ واستلزم هذا المعنى أن يكون كونه من الكافرين سابقا على الإباء والاستكبار بأن يكون كافرا من أول حدوثه إلى الأبد مع أن المختار عند عامة أهل السنة وجمهور المحققين أن إبليس لم يكن كافرا من أول حدوث الأمر، بل روي أن الله تعالى أعطاه ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان فكان يعبد الله تعالى تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة. وروي أيضا أنه عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة فكيف يقال إنه كان كافرا من أول وجوده إلى الأبد؟ بل إنه كان مؤمنا ثم صار كافرا برده أمر الله تعالى واستقباحه إياه، فقد صح أن قبول الأمر إيمان والعمل به طاعة وتركه معصية ورده واستقباحه كفر. ولما كان المختار أنه كان مؤمنا في أول حاله ثم صار كافرا بإبائه عما أمر به واستكباره عن التعظيم لآدم تحية وتواضعا له لم يصح أن يعلل إباؤه واستكباره بكونه من الكافرين لأن المفرع على الشيء لا يكون علة له. فلذلك فسر السبق المستفاد من لفظ «كان من الكافرين» بسبق علم الله تعالى بأنه سيكفر برده أمر الله تعالى واستقباحه إياه لا يسبق اتصافه بالكفر على الإباء والاستكبار، فيصح تعليلهما بالسبق بهذا المعنى لأن جعله تعليلا لهما لا يكون منافيا لما هو المختار عند الجمهور. وإن جعل قوله: وكان من الكافرين استئنافا فالبيان حاله بسبب الإباء والاستكبار يكون «كان» بمعنى «صار» كما في قوله تعالى:
وحال بينهما الموج فكان من المغرقين [هود: 43] وقوله: «باستقباحه» متعلق ب «صار» أي تحول حاله إلى الكفر بسبب استقباحه أمر الله تعالى واستكباره واعتقاده بكونه محقا في ذلك التمرد باستدلاله على ذلك بقوله: أنا خير منه [ص: 76] لا بمجرد ترك السجود فإن ترك المأمور به معصية والمعصية لا توجب الكفر. أما عندنا فلا فإن صاحب الكبيرة مؤمن عندنا، وأما عند المعتزلة فلأنه وإن خرج بها عن الإيمان لكنه لا يدخل بها في الكفر، والخوارج لما قالوا: إن كل معصية كفر واستدلوا عليه بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى قال في حق إبليس إنه كان من الكافرين بسبب إبائه عما أمر به واستكباره فدل ذلك على أن المعصية كفر. أشار المصنف إلى الجواب عن استدلالهم بأنه تعالى إنما كفره برده الأمر واستقباحه لا بمجرد ترك السجود الواجب حتى يقال: إنه تعالى كفره بترك الواجب وهو
Page 530