Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
الواجب وحده. والآية تدل على أن آدم أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له ولو من وجه، وأن إبليس كان من الملائكة وإلا لم يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم. ولا يرد على ذلك قوله تعالى: إلا إبليس كان من الجن [الكهف: 50] لجواز أن يقال إنه كان من الجن فعلا ومن الملائكة نوعا، ولأن ابن عباس روى: أن من الملائكة ضربا يتوالدون يقال لهم الجن ومنهم إبليس. ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه معصية. قوله: (والآية تدل على أن آدم أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود) إن كان المأمورون بالسجود جميع الملائكة فهو أفضل من جميعهم، وإن كانوا طائفة مخصوصة فهو أفضل من تلك الطائفة وذلك لأن الله تعالى أمرهم بالسجود له سجود تعظيم وتكريم فلولا أنه أفضل منهم لما أمروا بتعظيمه، لأن الفاضل لا يؤمر بتعظيم المفضول ولأن آدم عليه السلام كان أعلم منهم حيث أنبأهم بما عجزوا عن علمه والأعلم أفضل ممن هو دونه في العلم، والمعلم أفضل من المتعلم لقوله تعالى: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر: 9] فظهر أن آدم كان أفضل من الملائكة. قوله: (ولو من وجه) إشارة إلى جواز فضلهم عليه من وجه آخر كالاستغراق في عبادته تعالى وصفائهم عن الكدورات الحاصلة بسبب التركيب من المواد المكدرة. فإن الملائكة من الأنوار وآدم من التراب وكونهم سكان السموات التي هي مواضع النزهة والراحة، وكونهم آمنين من المرض والفقر والهم والجوع والعطش ونحوها، ذكر الإمام أن أكثر أهل السنة ذهبوا إلى أن الأنبياء مطلقا أفضل من الملائكة، وقالت المعتزلة: بل الملائكة العلوية أفضل من الأنبياء بخلاف الملائكة السفلية فإنه لا خلاف في أن الأنبياء أفضل منهم. والآية تدل أيضا على أن إبليس كان من الملائكة إلا أنه لما عصى الله تبارك وتعالى غضب عليه ولعنه ومسخه فصار شيطانا رجيما فقوله تعالى في سورة الكهف: إلا إبليس كان من الجن [الكهف: 50] معناه أنه صار من الجن كما أن قوله:
وكان من الكافرين معناه أنه صار من الكافرين. فإن قيل: كيف يكون إبليس من الملائكة والملائكة لا ذرية لها لأن الذرية إنما تتولد من الأنثى وليس من الملائكة أنوثة لقوله تعالى:
وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون [الزخرف: 19] أنكر الله تعالى على من حكم عليهم بالأنوثة، وإذا انتفى عنهم الأنوثة انتفى عنهم التوالد وإبليس له ذرية لقوله تعالى: أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني [الكهف: 50] وهذا صريح في إثبات الذرية له، فكيف يكون ملكا والملك لا ذرية له؟
أجيب بأنه إنما صار له نسل وذرية بعد ما مسخ وحولت صورته إلى صورة من يتوالد وسائر الممسوخات لا تبقى بعد ثلاثة أيام ولا يكون لها نسل وذرية ، وبقي هو وصار له نسل لأنه سأل النظرة إلى قيام الساعة فأنظر.
Page 531