Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر امتنع عما أمر به استكبارا من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه أو يعظمه ويتلقاه بالتحية أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه.
والإباء امتناع باختيار والتكبر أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره، والاستكبار طلب ذلك كان معه في محاربة الجن. وإنما كان الكلام فيه ما سبق لأن تعريف لفظ الملائكة هنا للمعهودين هناك فكأنه قيل: وإذ قلنا لهؤلاء الملائكة الذين قيل لهم: إني جاعل في الأرض خليفة اسجدوا لآدم، فإن كان المراد بهم هناك عموم أو خصوص أريد بهم هنا أيضا كذلك.
وأكثر المفسرين على أن جميع الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم حتى الملائكة المقربون، لأن لفظ الملائكة لكونه جمعا محلى باللام يفيد العموم لا سيما وقد أكد بقوله:
«كلهم» أجمعون ولا يقال: استثنى إبليس. واستثناء شخص من حكم اللفظ الموضوع للعموم يدل على أن من عدا ذلك الشخص كان داخلا في ذلك الحكم، ومنهم من أنكر ذلك وقال:
المأمورون بالسجود ملائكة الأرض دون ملائكة السماء، قال به لاستعظامه أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك. والله تعالى أعلم.
قوله: (امتنع عما أمر به) أي باختياره من غير أن يكون له عذر فيه لما صرح به من أن الإباء امتناع باختيار، فيكون أخص مطلقا من الامتناع. والظاهر أن قوله تعالى: أبى استيناف فإنه تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين كان مظنة أن يسأل ويقال: هل له عذر في ترك السجود؟ فأجيب بأنه ليس له عذر في ذلك بل تركه مع القدرة عليه، وعطف عليه قوله: واستكبر بيانا لعلة إبائه، فإن علة الحكم تجامعه في الوجود وإن كانت مقدمة عليه بالذات. وكذا الكلام في قوله تعالى: وكان من الكافرين فإنه إن أول بأنه كان منهم في علم الله تعالى يكون علة للإباء المعلل بالاستكبار، فالمعنى أن إباءه للاستكبار وأن استكباره لكونه من الفكرة في علمه تعالى، وإن أول بأنه صار منهم فوجه العطف ظاهر. قوله: (من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه) مبني على أن يكون المأمور به السجود بالمعنى الشرعي ويكون آدم عليه السلام قبلة لسجودهم أو سببا لوجوبه عليهم، فإن آدم على التقريرين يكون وصلة لعبادة ربهم بالسجود له. قوله: (أو يعظمه ويتلقاه بالتحية) مبني على أن يكون المأمور به المحتمل الأول من المعنى اللغوي للسجود وهو ما ذكره بقوله: «وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما له» وقوله: «أو يخدمه» مبني على أن يكون المأمور به المحتمل الثاني منه . والفرق بين التكبر والاستكبار أن التكبر هو أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره في الفضل وهو مذموم، وإن كان ممكن هو أكبر في الواقع بحسب الفضل والشرف. والاستكبار طلب التكبر بمباشرة ما يدل عليه، والتشيع ادعاء الشبع مع كونه جائعا محتاجا. وفي الصحاح: المتشبع المتزين بأكثر مما عنده يتكبر بذلك ويتزين بالباطل.
Page 529