454

Hashiya Cala Tafsir Baydawi

حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي

Régions
Turquie
Empires & Eras
Ottomans

فواسقا عن قصدها جوائرا

والفاسق في الشرع الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة وله درجات ثلاث: الأولى التغابي وهو أن يرتكبها أحيانا مستقبحا إياها، والثانية الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة الجحود وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه ولابس الكفر. وما دام هو في درجة التغابي أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان لقوله تعالى:

وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا [الحجرات: 9] والمعتزلة لما قالوا الإيمان عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل والكفر تكذيب الحق وجحوده جعلوه قسما ثالثا

يذهبن في نجد وغورا غائرا ... (فواسقا عن قصدها جوائرا)

النجد ما ارتفع من الأرض، والغور ضده، والجوائر جمع جائرة من الجور بمعنى الميل عن القصد لا بمعنى الظلم، وغورا عطف على محل في نجد. يصف نوقا متعسفات في مشيتهن جائرات عن الطريق المستقيم يمشين في المغاوز ويملن عن الطريق المستقيم ويذهبن تارة في نجد وأخرى في غور. قوله: (والفاسق في الشرع الخارج عن أمر الله) أي بترك الامتثال له وهو يتناول الخارج عن نهيه أيضا إما بتأويل النهي عن الشيء بالأمر بالامتناع عما نهي عنه، أو بأن يراد بالأمر الأمر المعهود المذكور بقوله سبحانه وتعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول [النور: 54] ولا شك أن الإطاعة تتناول الإطاعة في جميع التكاليف أمرا كان أو نهيا، وأن من ارتكب شيئا من الكبائر كفرا كان أو لا فقد خرج عن طاعة الله تعالى.

قال صاحب النهاية: والأصح في تفسير الكبيرة أن ما كان شنيعا بين المسلمين وفيه هتك حرمة الله تعالى والدين فهو كبيرة وإلا فهو صغيرة. وذكر المصنف رحمه الله لارتكاب الكبيرة ثلاث درجات: الأولى التغابي وهو من الغباوة التي هي قلة الفطنة، والانهماك في الأمر الجد واللجاج فيه. ويقال: شارفت الشيء إذا اطلعت عليه وأتيته من فوقه، ومطلع الأمر مأتاه. والخطط جمع خطة بكسر الخاء فيهما وهي الأرض يختطها الرجل لنفسه وهو أن يعلم عليها علامة بالخط ليعلم أنه قد اختارها ليبنيها دارا، والربق بالكسر حبل فيه عدة عرى يشد بها البهم والعروة الواحدة من تلك العرى تسمى ربقة. وفي الحديث: «خلع ربقة الإسلام من عنقه». قوله: (لقوله تعالى وأن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) دليل على أن اسم المؤمن لا يسلب عمن يشارف مقام الجحود، فإن الاقتتال كبيرة مع أنه سبحانه وتعالى أطلق على أهل الاقتتال لفظ المؤمنين. قوله: (جعلوه قسما ثالثا) جواب: «لما» يعني أنهم يسلبون اسم المؤمن عن الفاسق الذي في درجتي الانهماك والتغابي نظرا إلى أن العمل معتبر فيه،

Page 460