439

Hashiya Cala Tafsir Baydawi

حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي

Régions
Turquie
Empires & Eras
Ottomans

أن يكون من قبيل المشاكلة لما وقع في كلام الغير، لأن ترك تعذيب ذي الشيبة المسلم وترك رد اليدين المرفوعتين صفرا إليه تعالى لم يقع في صحبة الاستحياء تحقيقا كما وقع خياطة الجبة والقميص في صحبة الطبخ تحقيقا في قول الشاعر:

قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا

ولا تقديرا كما في قوله تعالى: صبغة الله [البقرة: 138] أي تطهير الله فإن التطهير وقع بلفظ الصبغ لوقوعه في صحبة الصبغ تقديرا. وذلك أن النصارى كانوا يزعمون أن غمس أولادهم في ماء أصفر يسمى بالمعمودية تطهيرا لهم، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: آمنا بالله وطهرنا الله بالإيمان تطهيرا حقيقيا منجيا لا مثل صبغتكم بالماء الأصفر فإنها ليست من التطهير في شيء فظهر أن التطهير وقع في صحبة الصبغ تقديرا حيث سيق الكلام ردا عليهم وإبطالا لأمرهم. وأراد بالمقابلة معناها اللغوي وهو المشاكلة بين الكلامين المتقابلين، وهي أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوع ذلك الشيء في صحبة ذلك الغير تحقيقا أو تقديرا، فإن الكفرة لما قالوا: أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت مع أن ملوك الأرض يأنفون من ذكر أمثال ذلك؟ أجيبوا بأن الله تعالى لا يستحي على سبيل المقابلة لكلامهم، وتطبيق الجواب على السؤال. فعبارة الاستحياء الواقع في كلام الله تعالى من قبيل المشاكلة المذكورة في علم البديع لا من قبيل المقابلة المذكورة في ذلك العلم، وهي أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر ثم بما يقابل ذلك على الترتيب كقوله تعالى: فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا [التوبة: 82].

قوله: (وضرب المثل اعتماله) باللام أي صيغه وإيجاده على أن بناء افتعل ههنا بمعنى فعل مثل: مدح الشيء وامتدح وعمدت الشيء عمدا أي قصدت له وتعمدت لأجله وما فعلته خطأ. والضرب في أصل اللغة استعمال آلة الضرب وإيقاعه على المضروب ثم استعمل في صيغ هذه الأشياء بحيث صار كأنه حقيقة فيه استعير منه لصيغ المثل وتكوينه لاشتراكهما في معنى الصيغ والتكوين، وإن كان الصيغ في أحدهما باستعمال آلة الضرب لا في الآخر.

قوله: (وأن بصلتها مخفوض المحل عند الخليل إلى آخره) اعلم أن فعل الاستحياء يتعدى تارة بنفسه نحو: استحييته قال الشاعر:

إذا ما استحين الماء

إلى آخره وتارة بحرف الجر نحو: استحييت منه فيكون: استحيى واستحيى منه بمعنى. ثم إنه يحتمل أن يكون قوله تعالى: لا يستحيي قد تعدى إلى قوله: أن يضرب بنفسه فيكون «أن يضرب» في محل النصب بالاتفاق. ويحتمل أن يكون تعدى إليه بحرف الجر المحذوف فحينئذ اختلف في محله فذهب الخليل والكسائي إلى أن حرف الجر وإن كان محذوفا حذفا شايعا مع «إن»

Page 445