Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
والمكروه اللازمين لمعنييهما. ونظيره قول من يصف إبلا: شعر:
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبت في إناء من الورد
وإنما عدل به عن الترك لما فيه من التمثيل والمبالغة. وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيئة على المقابلة لما وقع في كلام الكفرة وضرب المثل اعتماله من ضرب الخاتم، وأصله وقع شيء على آخر. وأن بصلتها مخفوض المحل عند الخليل بإضمار قوله: (ونظيره) أي نظير قوله تعالى: إن الله لا يستحيي في أن المراد بالحياء الترك اللازم للانقباض قول المتنبي:
(إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبت في إناء من الورد)
وقوله: «استحين» على لغة من يقول: استحى بحذف إحدى اليائين لكثرة الاستعمال، واللام في قوله: «الماء» للعهد الذهني و «يعرض» نفسه حال من الماء أو صفة له كما في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمة قلت لا يعنيني
و«السبت» بكسر السين المهملة الجلد الذي سبت أي قطع شعره ودبغ بالقرظ وهو ورق السلم، والسبت ههنا مستعار لمشافر الإبل شبهت بالسبت للبنها. وأراد بإناء من الورد المنهل الذي على حافاته أي أطرافه الورد. يصف الإبل وكثرة الماء عندها وأنها لا تشرب عطشا بل حياء من الماء فإنها كثيرا ما عرض الماء نفسه عليها وهي تستحي منه فتكرع بمشافرها التي كالسبت. وشبهت الحفرة التي فيها الماء المحفوفة بالأزهار التي تركتها السيول بالإناء، وكرعن شربن بأفواههن يقال: كرع في الماء كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه.
وضمير استحين للإبل أي إذا ما تركن رد الماء تركا مثل ترك من يستحي أن يرده لكثرة عرض نفسه عليها، فإنه لا عرض ولا استحياء في الحقيقة فهو استعارة تمثيلية تبعية متفرعة على المجاز المرسل. قوله: (وإنما عدل به) أي بسبب هذا التعبير عن الترك. يعني أنه لما كان المراد بالاستحياء معنى الترك كان الظاهر أن يعبر عن المعنى المراد بما يدل عليه بالمطابقة ويقال: إن الله لا يستحيي يعني لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ولم يعبر عنه بذلك ولم يصرح بلفظ الترك من ذكر المستعار له بما يدل عليه بالوضع الحقيقي، فإن الاستعارة تشتمل على إبراز المستعار له في صورة المستعار منه وإنها لكونها من أقسام المجاز بمنزلة إثبات الشيء بالبينة وتقرير الدعوى بالبرهان. وهذا هو الوجه لقولهم: المجاز أبلغ من الحقيقة. قوله: (وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيئه على المقابلة لما وقع في كلام الكفرة) احترز بقوله: «خاصة» عن الحديثين المذكورين فإن الاستحياء الواقع فيهما لا يحتمل
Page 444