الأولى: أن يذكر الاحتلام ويرى المني، فهذا يجب عليه الغسل، كما يدل عليه الحديث الأول.
الثانية: أن يرى الفعل ولم يَرَ الماء (يعني أنه يجامع ولا يرى الماء) فهذا لا غسل عليه، لمفهوم قوله: «نعم إذا رأت الماء».
الثالثة: أن يرى الماء ولا يذكر احتلامًا، فيجب عليه الغسل، لعموم «إنما الماء من الماء»، ولأن الإنسان قد يرى الشيء في منامه ثم ينساه.
أما إذا استيقظ بالغ أو من يمكن بلوغه فوجد في ثوبه بللًا وجَهِلَ كونه منيًا، فإن سبق نومه تفكير في الجماع جعله منيًا، وإن لم يسبق نومه تفكير فقيل: يغتسل احتياطًا، وقيل: لا غسل عليه، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (^١)، وهو الراجح لقوله: «إذا رأت الماء» يعني بذلك المني، وهنا لم يتيقن المنتبه أن البلل منيّ، فلا يجب الغسل مع الشك؛ لأن الأصل براءة الذمة. هذا بالنسبة للنائم.
أما اليقظان فظاهر قوله: «إنما الماء من الماء» أن خروج المني يوجب الغسل مطلقًا حتى ولو بدون شهوة وبأي سبب خرج، وهذا مذهب الشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد، والمشهور خلافها، وقالت الحنفية والمالكية والحنابلة: لا يجب الغسل إلا إذا خرج بدفق ولذة (^٣)، والظاهر أنه إن كان بلذة فلا بد أن يكون دفقًا، ولهذا اقتصر صاحب «المنتهى» (^٤) على اللذة ولم يذكر الدفق.
ودليل ذلك حديث علي ﵁ قال: كنت رجلًا مذَّاءً فسألت النبي ﷺ فقال: «إذا خذفت الماء فاغتسل من الجنابة، وإن لم تكن خاذفًا فلا تغتسل»، وفي لفظ: «إذا فضخت الماء فاغتسل» (^٥) والخذف والفضخ: خروجه بالغلبة،
(^١) "شرح العمدة" (١/ ٣٥٣).
(^٢) "المجموع" (٢/ ١٣٩).
(^٣) "الإنصاف" (١/ ٢٢٧)، "بدائع الصنائع" (١/ ٣٦)، "حاشية الدسوقي" (١/ ١٢٧).
(^٤) "المنتهى" (١/ ٧٩).
(^٥) تقدم تخريجه عند الكلام على الحديث رقم (٦٩).