ثم قلد المسملون المتأخرون آباءهم وأجدادهم في ذلك، كما قال تعالى حاكيا عن الكفار:
{ إنا وجدنا آباءنا ...} إلخ [الزخرف:22].
والجواب :: أنه لم يكفه أن يرمي المسلمين بالشرك والغلو
والابتداع، حتى جعلهم مقلدين لليهود والنصارى في منكر واضح البطلان ادعاه عليهم، فجمع بين كذبتين في كلمة، حيث قال: أنهم قلدوا اليهود والنصارى في بناء المساجد على القبور، وهم لم يبنوا المساجد على القبور، ولا قلدوا في ذلك اليهود والنصارى، والتحقيق أن النواصب هم الذين اتبعوا أهواءهم، فزعموا أن بناء القباب على أئمة أهل البيت من بناء المساجد على القبور، ليشنعوا على أعدائهم من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشيعتهم، وليسلموا ما يغيظهم من تعظيم الأئمة الأبرار والتشنيع فيهم، فبالغوا في المسألة حتى جعلوا ذلك شركا أو سببا للشرك، اتباعا للهوى وتعصبا للمذهب، ثم لما جاء هذا الزمان انضاف إلى ذلك الغرض السياسي لإحلال الدماء والأموال، والتسلط على المسلمين والسيطرة عليهم، وبعضهم أحب التصنع، وبعض النواصب غرضه مع مضادة الشيعة إحراز المال والثروة المستمرة له ولمن يعنيه، فاجتمع له الغرض في التعصب لنصرة مذهبه، ولاستدرار الأموال كما هي عادة علماء السوء وعبيد الدنيا، نسأل الله العصمة والتوفيق.
وأشبهوا أهل الكتاب في خصال، منها:
أنهم سماعون للكذب، أكالون للسحت، لأنهم يصدقون الدعايات المكذوبة على ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشيعتهم من أعدائهم، ويأكلون الفلوس التي تبذل لهم لنصرة الباطل، وهي في التحقيق رشوة، لأنها في مقابلة نصرة الباطل على الحق.
ومنها: أنهم يلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون، أما لبس الحق بالباطل فمثل تحريم اتخاذ القبور مساجد، ولبس ذلك بجعل القباب منه، وأما كتمان الحق وهم يعلمون، فمثل كتمان براءة من يعلمون براءته من الشرك من خصومهم، وقد مر تفصيل ذلك.
Page 623