581

La Raid Rapide pour Répliquer l'Avant-Garde

الغارة السريعة لرد الطليعة

ومن تعصبهم في المسألة أن مقبلا حكى في ( ص 244 ) عن الشوكاني أن تحريم رفع القبور ظني، فاعترضه صاحب الحاشية، ولعله مقبل قائلا: كلا ليس بظني بل قطعي، لاستفاضة الأحاديث بذلك، فأين الاستفاضة وإنما هي ثلاث روايات في كل واحدة مقال كما ترى ؟! وبذلك يتبين أن المسألة ظنية اجتهادية، فلماذا النكير العريض الطويل على من لا يرى هذه الروايات صحيحة ؟! ومع أنها تزداد ضعفا بمخالفتها عمل المسلمين بلا نكير في الزمان الأول قبل ابن تيمية وابن القيم والوهابية.

فأما جعل ذلك دليلا على منع القباب فهو أبعد، لأنه ينضاف إلى ضعف السند ضعف الدلالة على ذلك، لأن الظاهر في البناء على القبر هو البناء فوقه بوضع جدار فوق تراب القبر، أو يؤسس من قعر القبر، ويبنى حتى يرتفع فوق القبر، فيكون عليه حقيقة، وذلك لأن كلمة على للفوقية الحقيقية، في مثل: ركبت على الفرس، واستعمالها في غير ذلك خلاف الأصل، وذلك لا يدل على منع البناء حوله محيطا به لحفظ ترابه لئلا تسيله الأمطار، أو لتشريفه حيث كان فاضلا، فيكون دليلا على فضله وتعبيرا عنه.

وعلى هذا فإن صح حديث النهي عن البناء على القبر، فهو كالنهي عن القعود عليه، فليس المراد به النهي عن القعود حوله، لأنه خلاف الظاهر.

فأما منع القباب من أجل هذا الحديث فكذلك، لأن بناءها حول القبر ولا مانع من البناء حول القبر، ولذلك وسع عمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينكر ذلك بدعوى أن بناء زيادة المسجد كان على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي حول قبره صلى الله عليه وآله وسلم ولو أنكروه لاشتهر.

وقد حكى توسيع المسجد مقبل في (ص239) عن ابن تيمية، بلفظ: وأما عمر بن الخطاب فإنه وسعه، لكن بناه على ما كان بناؤه من اللبن، وعمده جذوع النخل، وسقفه الجريد، ولم ينقل أن أحدا كره ما فعل عمر. انتهى.

وكذلك نرى المسلمين يبنون حول القبور بيوتا لهم، ولو كان البناء حول القبر ممنوعا لمنع بناء البيوت وغيرها من الحوائط والبساتين ونحو ذلك، ولا نعلم أحدا منع من ذلك، فظهر أن البناء المنهي عنه إن صح النهي إنما هو البناء فوقه كما بيناه، ولعل المقصود به احترامه، كما لا يقعد عليه، والله أعلم.

Page 587