ثم قال ابن عبد البر: والله لقد تجاوز الناس الحد في الغيبة والذم، فلم يقنعوا بذم العامة دون الخاصة، ولا بذم الجهال دون العلماء، وهذا كله بحمل الجهل والحسد. انتهى المراد.
وقد بسط في هذا الباب واكتفينا بما نقلنا ميلا إلى الاختصار، ولأن الغرض بيان أنه يكون الذم والجرح لدواعي النفس، وهو غير معمول به، فلذلك إن كان فيمن ظهرت عدالته لم يلتفت إليه، مع ظهور الباعث النفسي، من عداوة مذهب، أو منافسة على منصب، ولم يعتبر موجبا للتوقف في المجروح.
وإن كان في مجهول، وقد ظهر الباعث على الذم، فكذلك لا يلتفت إليه، بل قد يكون قرينة للمذهب الصحيح، كالذم بالتشيع أو بالرفض عند القوم أو بالقدر، فإنهم يعبرون بالرفض عن حب علي عليه السلام وتقديمه، ويعبرون بالقدر عن نفي الجبر، وذلك مدح بإثبات عدل الله وحكمته، ويلحق بهذا قول الجوزجاني: زائغ، فهي عبارة عن بعض ما ذكرناه، ومن طالع كتبهم وعرف معاملتهم للشيعة، عرف أنهم يتجرأون على ذم الكثير منهم، بسبب عداوة المذهب، وإن اختلفت درجاتهم في ذلك واختلفوا في بعض الشيعة، فقد اتضح تعصبهم ضدهم، وتحاملهم عليهم، وتعنتهم عليهم في أسباب الجرح.
ومن شك في هذا !! فليطالع كتبهم بتحرير فكر وإنصاف، يجد ما ذكرناه واضحا جليا، ويتبين له أن كلامهم في الشيعة لا يلتفت إليه، إلا أنه يعتبر قرينة للصلاح وعلامة لحب علي عليه السلام، الذي هو علامة الإيمان، فهو إلى أن يكون تعديلا أقرب من أن يصلح للتعويل عليه في جرح أو تضعيف، فما رووه من فضائل توافق المعلوم أو لا تخالفه فهو مقبول، ولا يرده قول النواصب وأنصارهم المبتدعين الدعاة إلى بدعتهم، لأنه لا يستوي أهل الحق وأهل البدع، فأهل الحق هم حملة العلم العدول. أما أهل البدع فيحذر منهم، ولا سيما الدعاة إلى بدعتهم، وأكثر أهل الجرح والتعديل من العثمانية من هذا القبيل، وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وآله وسلم والحمد لله رب العالمين.
Page 562