La Raid Rapide pour Répliquer l'Avant-Garde
الغارة السريعة لرد الطليعة
فالنفي والاستثناء مبني على فرض قبول البلاغ، أعني الإيمان والعمل الصالح الذي علقت عليه البشرى، لأن من لا يؤمن به ولا يصدق به لا يتصور أن يطلب منه الأجر عليه، يعطيه في حال جحده له وتحرقه على قارئه غيظا، إن الله تعالى يقول: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا } [الحج:72]. فكيف يتصور أن يطلب منهم أجر يعطونه في حال كفرهم وجحدهم بالقرآن، وبغضهم لمن يقرؤه عليهم وكراهيتهم له ؟! وحينئذ لا يصلح نفي طلب الأجر منهم مع تكذيبهم بالقرآن نفيا مطلقا، غير معلق في المعنى على الإيمان به وقبوله، ولذلك قال تعالى: { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } [الطور:40]. أي: ليس لهم عذر في ترك الإيمان، ولا علة يعتذرون بها يلتفت إليها، لأنك لا تسألهم أجرا من المال تكلفهم به غرامة باهظة، فيعتذروا عن الإيمان به بعجزهم عن دفع الأجر، لثقل غرامة الأجر، فتحصل أن المعنى: لا أسأل عليه من يؤمن به أجرا إلا المودة في القربى، والذي يؤمن به إذا سئل عليه المودة في القربى، لا يكون معناه: لا أريد منك إلا أن تكف عني شرك، وتدعني أبلغ رسالات ربي، بل يكون سؤال المودة في القربى على ظاهره.
وهذا لأن الاستثناء تابع للمستثنى منه، فحيث كان الكلام من أوله فيمن يؤمن، كان الاستثناء فيمن يؤمن، وهذا واضح لمن أنصف، وسواء كان الاستثناء متصلا حقيقة أو مجازا، بأن جعلت المودة من جنس المسمى بالأجر حقيقة أو مجازا، أم جعل الاستثناء منقطعا، فهو تابع للسياق لا يخرج عنه، لأنه يصير كأنه قال: لا أسألكم عليه أجرا، ولكن أسألكم عليه المودة في القربى، فكلمة (عليه) لا تفارق أسال، لأنها متعلقة به، لأنه فعل وهي عقيبه، ولو جاز أن تفارق الفعل وهي معموله، لجاز أن يفارقه المفعول، الذي هو ضمير المخاطبين، بحيث يصح أن يقال: ولكن أسال المودة في القربى، أي: ولو من غيركم، وهذا باطل لأن الاستثناء في مثل هذا يثبت الحكم المنفي بقيوده، كما لا يخفى على منصف !! وحينئذ فكأنه قال: ولكن أسألكم عليه المودة في القربى، وهذا الكلام يفيد أن المودة في القربى في معنى الشكر أو المكافأة، وإن لم تكن أجرا بمنزلة أجر العامل الذي يعمل بالأجرة، بل على معنى شكر النعمة، ورعاية الجميل كالصلاة عليه والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وكالإحسان إلى الوالدين.
Page 523