423

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

٨) أَثَرُ الاسْتِسْقَاءِ بِالرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ:
قَالَ الحَافِظُ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (١) مَا نَصُّهُ: (وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ مَالِكِ الدَّارِ - وَكَانَ خَازِنُ عُمَرَ - قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي المَنَامِ فَقِيْلَ لَهُ: (ائْتِ عُمَرَ) الحَدِيْثَ (٢)، وَقَدْ رَوَى سَيْفٌ فِي الفُتُوْحِ أَنَّ الَّذِيْ رَأَى المَنَامَ المَذْكُوْرَ هُوَ بِلَالُ بْنُ الحَارِثِ المُزَنِيُّ أَحَدُ الصَّحَابَةِ).
وَالجَوَابُ عَلَيْهِ هُوَ مِنْ وُجُوْهٍ:
أ) مَالِكُ الدَّارِ هَذَا غَيْرُ معْرُوْفِ العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، وَأَمَّا قَوْلُ الحَافِظِ ﵀ (بِإسْنَادٍ صَحِيْحٍ) فَهوَ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ، وَأَمَّا مَالِكُ نَفْسُهُ فَهوَ مَجْهُوْلٌ. (٣)
ب) أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ مِنْ اسْتِحْبَابِ إِقَامَةِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ لِاسْتِنْزَالِ الغَيْثِ مِنَ السَّمَاءِ.
ج) أَنَّ القِصَّةَ لَو صَحَّتْ - جَدَلًا - فَلَا حُجَّةَ فِيْهَا؛ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى رَجُلٍ لَم يُسَمَّ، فَهُوَ مَجْهُوْلٌ أَيْضًا، وَتَسْمِيَتُهُ بِلَالًا (بْنَ الحَارِثِ المُزَنِيَّ) فِي رِوَايَةِ سَيْفٍ لَا تُسَاوِي شَيْئًا، لِأَنَّ سَيْفًا هَذَا - وَهُوَ ابْنَ عُمَرَ التَّمِيْمِيَّ - مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ. (٤)
ء) أَنَّ هَذَا الأَثَرَ لَيْسَ فِيْهِ التَّوَسُّلُ - مَوْضُوْعُ البَحْثِ - وَإِنَّمَا فِيْهِ الطَّلَبُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَهَذَا بَحْثٌ آخَرٌ، يَكْفِيْنَا القَوْلُ فِيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِيْنَ﴾ (يُوْنُس:١٠٦).
٩) حَدِيْثُ الكُوَّةِ فَوْقَ القَبْرِ (٥):
رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ؛ حَدَّثَنَا سَعِيْدُ بْنُ زَيدٍ؛ حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ مَالِكٍ النُّكْرِيُّ؛ حَدَّثَنَا أَبُو الجَوزَاءِ - أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - قَالَ: قَحَطَ أَهْلُ المَدِيْنَةِ قَحْطًا شَدِيْدًا فَشَكَوا إِلَى عَائِشَةَ؛ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَاجْعَلُوا مِنْهُ كُوًّا إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُوْنَ بَينَهُ وَبَينَ السَّمَاءِ سَقْفٌ، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَمُطِرْنَا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ العُشْبُ وَسَمِنَتِ الإِبِلُ حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ، فَسُمِّيَ عَامَ الفَتْقِ. (٦)
وَالجَوَابُ من أَوْجُهٍ:
١) أَنَّ الحَدِيْثَ ضَعِيْفٌ لَا تَقُوْمُ بِهِ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، بِسَبَبِ أُمُوْرٍ:
أَوَّلُهَا: أَنَّ سَعِيْدًا بْنَ زَيدٍ فِيْهِ ضَعْفٌ، قَالَ فِيْهِ الحَافِظُ فِي كِتَابِهِ (التَّقرِيْبُ): (صَدُوْقٌ لَهُ أَوْهَامٌ). (٧)
وَثَانِيْهَا: أَنَّ أبَا النُّعْمَانِ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ؛ يُعْرَفُ بِعَارِمٍ وَهوَ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَقَد اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. (٨)
٢) أَنَّهُ مَوْقُوْفٌ عَلَى عَائِشَةَ وَلَيْسَ بِمَرْفُوْعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَلَو صَحَّ لَمْ تَكُنْ فِيْهِ حُجَّةٌ لِأَنَّه يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ قَبِيْلِ الآرَاءِ الاجْتِهَادِيَّةِ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُخْطِئُوْنَ فِيْهِ وَيُصِيْبُوْنَ، وَلَسْنَا مُلْزَمِيْنَ بِالعَمَلِ بِهَا إِذَا لَمْ تُوَافِقِ السُّنَّةَ.
٣) مِمَّا يُبَيّنُ كَذِبَ هَذهِ الرِّوَايَةِ أَنَّه فِي مُدَّةِ حَيَاةِ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ لِلبَيْتِ كُوَّةٌ، بَلْ كَانَ بَاقِيًا كَمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ؛ بَعْضُهُ مَسْقُوفٌ وَبَعْضُهُ مَكْشُوفٌ، وَكَانَتِ الشَّمْسُ تَنْزِلُ فِيْهِ (٩)، وَلَم تَزَلْ الحُجْرَةُ كَذَلِكَ حَتَّى زَادَ الوَلِيْدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ فِي المَسْجِدِ فِي إِمَارَتِهِ لَمَّا أَدْخَلَ الحُجَرَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُوْلِ ﷺ، وَمِنْ حِيْنِئِذٍ دَخَلَتْ الحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ إِنَّه بَنَى حَوْلَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ الَّتِيْ فِيْهَا القَبْرُ جِدَارًا عَالِيًا، وَبَعْدَ ذَلِكَ جُعِلَتِ الكُوَّةُ لِيَنْزِلَ مِنْهَا مَنْ يَنْزِلُ إِذَا احْتِيْجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ كَنْسٍ أَوْ تَنْظِيْفٍ. (١٠)

(١) فَتْحُ البَارِي (٤٩٥/ ٢).
(٢) أَي الَّذِيْ فِيْهِ اسْتِسْقَاءُ عُمَرَ بِالعَبَّاسِ ﵄.
(٣) وَقَد قَالَ الحَافِظُ المُنْذِرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (التَّرْغِيْبُ وَالتَّرْهِيْبُ) (٢٩/ ٢) فِي قِصَّةٍ أُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ الدَّارِ عَنْ عُمَرَ: (رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الكَبِيْرِ، وَرُوَاتُهُ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ ثِقَاتٌ مَشْهُوْرُوْنَ، وَمَالِكُ الدَّارِ لَا أَعْرِفُهُ).
(٤) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَجْرُوْحِيْنَ) (٣٤٥/ ١): (يَرْوِي المَوْضُوْعَاتِ عَنِ الأَثْبَاتِ).
(٥) وَقَدْ سَبَقَتِ المَسْأَلَةُ فِي مُلْحَقِ (قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكُ وَالبَرَكَةِ)، وَالإِعَادَةُ لِلمُنَاسَبَةِ.
(٦) الدَّارِمِيُّ (٩٣).
(٧) (التَّقرِيْبُ) (ص٢٣٦).
(٨) قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَجْرُوْحِيْنَ) (٢٩٤/ ٢).
(٩) كَمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ (٥٤٥)، وَمُسْلِمٍ (٦١١) عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ - وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا - لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ بَعْدُ.
(١٠) أَفَادَهُ شَيْخُ الإِسْلَام ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَلْخِيْصُ كِتَابِ الاسْتِغَاثَةِ) (٩٣/ ١)، وَاُنْظُرْ كِتَابَ (التَّوَسُّلُ) (ص١٢٧) لِلشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

1 / 423