التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
٦) عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الخَطِيْئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللهُ: (يَا آدَمُ، وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟) قَالَ: يَا رَبِّ، لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوْحِكَ؛ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَىَ قَوَائِمِ العَرْشِ مَكْتُوْبًا (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ)؛ فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللهُ: (صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لَأَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ، ادْعُنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ). أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (١)، وَهُوَ مَوْضُوْعٌ، فِيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ وَاهٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ الفِهْرِيُّ مُتَّهَمٌ بِوَضْعِ الحَدِيْثِ. (٢)
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ العُلَمَاءُ مِنْ وَضْعِ هَذَا الحَدِيْثِ وَبُطْلَانِهِ أَنَّهُ يُخَالِفُ القُرْآنَ الكَرِيْمَ فِي مَوضِعَيْنِ مِنْهُ؛ وَهُمَا:
أ) أَنَّهُ تَضَمَّنَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَفَرَ لِآدَمَ بِسَبَبِ تَوَسُّلِهِ بِهِ ﷺ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: (يَا آدَمُ، وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟»، وَاللهُ ﷿ يَقوْلُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيْمُ﴾ (البَقَرَة:٣٧). (٣)
ب) قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ (وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ) مُعَارِضٌ لِمَا قَد أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ عَنِ الحِكْمَةِ الَّتِيْ مِنْ أَجْلِهَا خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ، فَقَالَ ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُوْنِ﴾ (الذَّارِيَات:٥٦). (٤)
وَأَمَّا زَعْمُ بَعْضِهِم أَنَّهُ حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فَقَط - جَدَلًا -؛ وَأَنَّ الحَدِيْثَ الضَّعِيْفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ اتِّفَاقًا! فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا التَّوَسُّلِ، وَلِكَوْنِ الاسْتِحْبَابِ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مِنَ الأَحْكَامِ الخَمْسَةِ - الَّتِيْ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِنَصٍّ صَحِيْحٍ تَقُوْمُ بِهِ الحُجَّةُ - فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالحَدِيْثِ الضَّعِيْفِ، فَالأَمْرُ خَارِجٌ عَنْ مُجَرَّدِ الفَضَائِلِ. (٥)
٧) حَدِيْثُ (تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيْمٌ)، وَبَعْضُهُم يَرْوِيْهِ بِلَفْظِ (إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي، فَإِنَّ جَاهِيَ عِنْدَ اللهِ عَظِيْمٌ). هُوَ حَدِيْثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الحَدِيْثِ البَتَّةَ. (٦)
(١) مَوْضُوْعٌ. الحَاكِمُ (٤٢٢٨) وَقَالَ عَقِبَهُ ﵀: (صَحِيْحُ الإِسْنَادِ؛ وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيْثٍ ذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الكِتَابِ)، فَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ: (قُلْتُ: بَلْ مَوْضُوْعٌ؛ وَعَبُدُ الرَّحْمَنِ وَاهٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَسْلَمَ الفِهْرِيُّ لَا أَدْري مَنْ ذَا).
قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: (وَمِنْ تَنَاقُضِ الحَاكِمِ فِي المُسْتَدْرَكِ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَوْرَدَ فِيْهِ حَدِيْثًا آخَرَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا وَلَم يُصَحِّحْهُ، بَلْ قَالَ: (وَالشَّيْخَانِ لَم يَحْتَجَّا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيدٍ). قُلْتُ: اُنْظُرِ المُسْتَدْرَكَ (٣٧٤/ ٣).
(٢) وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِهِم بِأَنَّ الحَافِظَ العَسْقَلَانِيَّ ﵀ حَكَمَ عَلَى (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ) أَنَّهُ ضَعِيْفٌ (فَقَط!) - كَمَا فِي اللِّسَانِ (٢٩/ ٤) -؛ فَلَا يُفِيْدُهُم شَيْئًا - بِفَضْلِ اللهِ - فَإِنَّ الحَافِظَ نَفْسَهُ قَالَ عَنْ هَذَا الحَدِيْثِ أَصْلًا أَنَّهُ خَبَرٌ بَاطِلٌ، كَمَا تَجِدُهُ فِي تَرْجَمَةِ (عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ الفِهْرِيِّ) مِنْ نَفْسِ الكِتَابِ (٣٥٩/ ٣). وَالحَمْدُ للهِ.
(٣) قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: (وَقَد جَاءَ تَفْسِيْرُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ عَنْ تَرْجُمَانِ القُرْآنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِمَا يُخَالِفُ هَذَا الحَدِيْثَ، فَأَخْرَجَ الحَاكِمُ (٣/ ٥٤٥) عَنْهُ: (﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قَالَ: أَيْ: رَبِّ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قَالَ: (بَلَى). قَالَ: أَيْ: رَبِّ، أَلَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قَالَ: (بَلَى). قَالَ: أَيْ: رَبِّ، أَلَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قَالَ: (بَلَى). قَالَ: أَيْ: رَبِّ أَلَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قَالَ: (بَلَى). قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ؛ أَرَاجِعِي أَنْتَ إِلَى الجَنَّةِ؟ قَالَ: (بَلَى). قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾). قَالَ الحَاكِمُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحُ الإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَا.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا هُوَ فِي حُكْمِ المَرْفُوْعِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
١) أَنَّهُ أَمْرٌ غَيْبِيٌّ؛ لَا يُقَالُ مِنْ مُجَرَّدِ الرَّأْي.
٢) أَنَّهُ وَرَدَ فِي تَفْسِيْرِ الآيَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهوَ فِي حُكْمِ المَرْفُوْعِ).
(٤) وَمِثْلُهُ الحَدِيْثُ المَشْهُوْرُ لَفْظًا (يَا مُحَمَّدُ، لَوْلَاكَ مَا خَلَقْتُ الدُّنْيَا) وَهُوَ مَوْضُوْعٌ، كَمَا فِي تَلْخِيْصِ كِتَابِ المَوضُوْعَاتِ (ص٨٦) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ؛ وَفِيْهِ أَيْضًا (وَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: (مَوْضُوْعٌ بِلَا شَكٍّ، وَيَحْيَى البَصْرِيُّ تَالِفٌ كَذَّابٌ، وَالسَّنَدُ فِيْهِ ظُلْمَةٌ».
(٥) قُلْتُ: وَمَعْنَى (فِي الفَضَائِلِ): أَيْ: إِيْرَادُ الحَدِيْثِ الضَّعِيْفِ الإِسْنَادِ فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ فَضِيْلَةِ عَمَلٍ مَا ثَابِتٍ شَرْعًا؛ أَوِ الحَثِّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي مَعْرِضِ إِثْبَاتِ حُكْمٍ بِهِ.
وَدَعْوَى الاتِّفَاقِ هَذِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بِهَا، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ الجَوَازِ؛ لِأَنَّ الكُلَّ شَرْعٌ.
وَلَكِنْ الَّذِيْنَ قَالُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ قَدْ وَضَعُوا لِذَلِكَ العَمَلِ شُرُوْطًا، قَالَ الحَافِظُ ابْن حَجَرٍ ﵀ في كِتَابِهِ (تَبْيِيْنُ العَجَبِ بِمَا وَرَدَ فِي شَهْرِ رَجَب) (ص١١): (وَلَكِنْ اشْتُهِرَ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ يَتَسَامَحُوْنَ فِي إِيْرَادِ الأَحَادِيْثِ فِي الفَضَائِلِ - وَإِنْ كَانَ فِيْهَا ضَعْفٌ - مَا لَمْ تَكُنْ مَوْضُوْعَةً. وَيَنْبَغِي مَعَ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ أَنْ يَعْتَقِدَ العَامِلُ كَوْنَ ذَلِكَ الحَدِيْثِ ضَعِيْفًا، وَأَنْ لَا يُشْهِرَ بِذَلِكَ، لِئَلَّا يَعْمَلَ المَرْءُ بِحَدِيْثٍ ضَعِيْفٍ، فَيُشَرِّعَ مَا لَيْسَ بِشَرْعٍ، أَوْ يَرَاهُ بَعْضُ الجُهَّالِ؛ فَيَظُنُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ صَحِيْحَةٌ. وَقَدْ صَرَّحَ بِمَعْنَى ذَلِكَ الأُسْتَاذُ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ.
وَلْيَحْذَرِ المَرْءُ مِنْ دُخُوْلِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ (مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيْثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَذَّابِيْن) فَكَيْفَ بِمَنْ عَمِلَ بِهِ؟ وَلَا فَرْقَ فِي العَمَلِ بِالحَدِيْثِ فِي الأَحْكَامِ أَوْ فِي الفَضَائِلِ؛ إِذِ الكُلُّ شَرْعٌ).
وَقَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَمَامُ المِنَّةِ) (ص٣٦): (فَهَذِهِ شُرُوْطٌ ثَلَاثَةٌ مُهِمَّةٌ لِجَوَازِ العَمَلِ بِهِ:
١ - أَنْ لَا يَكُوْنَ مَوْضُوْعًا.
٢ - أَنْ يَعْرِفَ العَامِلُ بِهِ كَوْنَهُ ضَعِيْفًا.
٣ - أَنْ لَا يُشْهرَ العَمَلُ بِهِ).
قُلْتُ: وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنْ يَنْدَرِجَ العَمَلُ نَفْسُهُ تَحْتَ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ.
قَالَ الشَّيْخُ القَاسِمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (قَوَاعِدُ التَّحْدِيْثِ) (ص١١٦): (وَذَكَرَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةَ شُرُوْطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ الضَّعْفُ غَيْرَ شَدِيْدٍ، فَيَخْرُجُ مَنْ انْفَرَدَ مِنَ الكَذَّابِيْنَ وَالمُتَّهَمِيْنَ بِالكَذِبِ وَمَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ. نَقَلَ العَلَائِيُّ الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَ أَصْلٍ مَعْمُوْلٍ بِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَعْتَقِدَ عِنْدَ العَمَلِ بِهِ ثُبُوْتَهُ؛ بَلْ يَعْتَقِدُ الاحْتِيَاطَ).
(٦) الضَّعِيْفَةُ (٢٢).
وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى (٣٢٠/ ١): (وَلَكِنَّ جَاهَ المَخْلُوْقِ عِنْدَ الخَالِقِ تَعَالَى لَيْسَ كَجَاهِ المَخْلُوْقِ عِنْدَ المَخْلُوْقِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَالمَخْلُوْقُ يَشْفَعُ عِنْدَ المَخْلُوْقِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ شَرِيْكٌ لَهُ فِي حُصُوْلِ المَطْلُوبِ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا شَرِيكَ لَهُ). أ. هـ بِحَذْفٍ يَسِيْرٍ.
1 / 422