424

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ) قِيَاسُ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوْقِ:
حَيثُ ادَّعَى المُخَالِفُوْنَ أَنَّ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الصَّالِحِيْنَ وَأَقْدَارِهِم أَمْرٌ مَطْلُوْبٌ وَجَائِزٌ، لِأَنَّ أَحَدَنَا إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ عِنْدَ مَلِكٍ أَوْ وَزِيْرٍ أَوْ مَسْؤُوْلٍ كَبِيْرٍ فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً لِأَنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ - هَذَا إِذَا لَمْ يَرُدَّهُ أَصْلًا - لِذَلِكَ كَانَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ إِذَا أَرَدْنَا حَاجَةً مِنْ مِثْلِهِ؛ فَإِنَّنَا نَبْحَثُ عَمَّنْ يَعْرِفُهُ، وَيَكُوْنُ مُقَرَّبًا إِلَيْهِ، وَنَجْعَلُهُ وَاسِطَةً بَينَنَا وَبَينَهُ، فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَنَا، وَقُضِيَتْ حَاجَتُنَا، وَهَكَذَا الأَمْرُ نَفْسُهُ فِي عَلَاقَتَنِا بِاللهِ ﷾ بِزَعْمِهِم -!!!
وَالجَوَابُ (١): أَنَّ هَذَا التَّعْلِيْلَ عَلِيْلٌ، وَهُوَ مِنَ المُنْكَرِ العَظِيْمِ (٢)، وَذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أ) أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ بَصِيْرٌ؛ لَيْسَ كَآحَادِ خَلْقِهِ - سُبْحَانَهُ -، فَالمُلُوْكُ وَأَشْبَاهُهُم يَحْتَاجُوْنَ إِلَى مَنْ يُبَلِّغُهُم أَحْوَالَ الفُقَرَاءِ وَالمُسْتَضْعَفِيْنَ، فَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوْقِ - تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُوْلُهُ الظَّالِمُوْنَ -. (٣)
ب) أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَحْمَنُ رَحِيْمٌ رَؤُوْفٌ؛ لَيْسَ كَآحَادِ خَلْقِهِ - سُبْحَانَهُ -، فَالخَلْقُ رَحْمَتُهُم تُنَاسِبُ قَدْرَهُم، فَهيَ لَا تَسَعُ جَمِيْعَ الخَلْقِ، وَأَمَّا اللهُ تَعَالَى فَرَحْمَتُهُ وَاسِعَةٌ؛ فَلَا يَحْتَاجُ ﷾ إِلَى أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ اسْمُ مَنْ تُسْتَجْلَبُ بِهِ الرَّحْمَةُ إِلَى الخَلْقِ (٤)؛ بِخِلَافِ مُلُوْكِ الدُّنْيَا، فَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوْقِ.
ج) أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ شِرْكَ المُشْرِكِيْنَ كَانَ بِاتِّخَاذِ الشُّفَعَاءِ مِنَ الصَّالِحِيْنَ بَيْنَهُم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، وَفَتْحُ بَابِ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الصَّالِحِيْنَ قَدْ يُفْضِي إَلَى ذَلِكَ (٥)، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُوْلُوْنَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُوْنَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ﴾ (يُوْنُس:١٨).
وقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَيَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيْعُوْنَ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ﴾ (النَّحْل:٧٤). (٦)
ء) أَنَّ صَلَاحَ الصَّالِحِيْنَ هُوَ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم، فَكَيفَ يَتَوَسَّلُ - المُجِيْزُوْنَ - بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِم؟ فَإِنَّمَا صَلَاحُ الصَّالِحِيْنَ رَاجِعٌ إِلَيْهِم، بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوْعِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا سَبَقَ. (٧)
وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا (يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُوْلِ اللهِ: سَلِيْنِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا). (٨) (٩)

(١) بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ.
(٢) وَالمُنْكَرُ العَظِيْمُ هُوَ مِنْ جِهِةِ المِثَالِ المَذْكُوْرِ - لَا مِنْ جِهَةِ مَسْأَلِة التّوَسُّلِ بِجَاهِ الصَّالِحِيْنَ - وَعَلَيْهِ أَوْجُهُ الرَّدِّ.
كَمَا يَصِحُّ الرَّدُّ بِهَذِهِ الأَوْجُهِ عَلَى مَنْ اسْتَدَلَّ بِنفْسِ المِثَالِ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَغَاثَ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الصَّالِحِيْنَ وَالأَوْلِيَاءِ بِدَعْوَى أَنَّهُم هُمُ الَّذِيْنَ يَرْفَعُوْنَ حَوَائِجَ الخَلْقِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
(٣) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ) (٢/ ٨٨٧): (لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ - وَهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالحَدِيثِ - فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ؛ إِلَّا دَاوُدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الأَصْفَهَانِيَّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيَّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ، فَإِنَّهُمْ نَفَوَا القِيَاسَ فِي التَّوْحِيدِ وَالأَحْكَامِ جَمِيعًا، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ سِوَى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ الْقِيَاسَ فِي التَّوْحِيدِ وَالْأَحْكَامِ جَمِيعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوْحِيدِ وَنَفَاهُ فِي الْأَحْكَامِ).
(٤) وَفِي الحَدِيْثِ (جَعَلَ اللهُ ﷿ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِيْنَ وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلْقُ حَتَّى تَرفعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيْبَهُ). صَحِيْحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (١٠٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٧٣).
(٥) قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (التَّوَسُّلُ) (ص١٣٣): (إِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِيْ يَحْمِلُ بَعْضَ العُلَمَاءِ وَالمُحَقِّقِيْنَ عَلَى المُبَالَغَةِ فِي إِنْكَارِ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الأَنْبِيَاءِ وَاعْتِبَارِهِ شِرْكًا - وَإِنْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ لَيْسَ شِرْكًا عِنْدَنَا - بَلْ يُخْشَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى الشِّرْكِ).
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ الغُنَيْمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ بَابِ (مَا جَاءَ فِي المُصَوِّرِيْن) مِنْ شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيْدِ) شَرِيْطُ رَقَم (١٢٨): (أَمَّا دَعْوَةُ اللهِ بِهِمْ كَأَنْ يَقُوْلَ: يَا رَبِّ! أَسْأَلُكَ بِوَلِيِّكَ الفُلَانِيِّ، أَوْ أَسْأَلُكَ بِنَبِيِّكَ، أَوْ أَسْأَلُكَ بِجِبْرِيْلَ، أَوْ أَسْأَلُكَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ؛ فَهَذَا - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شِرْكًا - إِلَّا أَنَّهُ مِنَ البِدَعِ الَّتِيْ تَكُوْنُ طَرِيْقًا إِلَى الشِّرْكِ).
قُلْتُ: فَهُوَ مِنْ بِدَعِ الدُّعَاءِ، وَقَد جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ، كَمَا فِي الحَدِيْثِ (إِنَّهُ سَيَكُوْنُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُوْنَ فِي الطُّهُوْرِ وَالدُّعَاءِ). صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٩٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (٢٣٩٦).
(٦) قَالَ الإِمَامُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي رِسَالَةِ (الوَاسِطَةُ) (ص٥):
(وَمَنْ أَثْبَتَ الأَنْبِيَاءَ وَسِوَاهُم مِنَ مَشَايخِ العِلْمِ وَالدِّيْنِ وَسَائِطَ بَينَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ كَالحُجَّابِ الَّذِيْنَ بَيْنَ المَلِكِ وَرَعِيَّتِهِ؛ بِحَيثُ يَكُوْنُوْنُ هُم يَرْفَعُوْنَ إِلَى اللهِ تَعَالَى حَوَائِجَ خَلْقِهِ؛
وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَهْدِي عِبَادَهُ وَيَرْزُقَهُم وَيَنْصُرَهُم بِتَوَسُّطِهِم؛ بِمَعْنَى أَنَّ الخَلْقَ يَسْأَلُونَهُم؛ وَهُم يَسْأَلُوْنَ اللهَ؛
كَمَا أَنَّ الوَسَائِطَ عِنْدَ المُلُوكِ يَسْأَلوْنَ المَلِكَ حَوَائِجَ النَّاسِ لِقُرْبِهِم مِنْهُم؛ وَالنَّاسُ يَسْأَلونَهُم أَدَبًا مِنْهُم أَنْ يُبَاشِرُوا سُؤَالَ المَلِكِ؛
وَلِأَنَّ طَلَبَهُم مِنَ الوَسَائِطِ أَنْفَعُ لَهُم مِنْ طَلَبِهِم مِنَ المَلِكِ لِكَوْنِهِم أَقْرَبَ إِلَى المَلِكِ مِنَ الطَّلَبِ!
فَمَنْ أَثْبَتَهُم وَسَائِطَ عَلَى هَذِهِ الوُجُوْهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَهَؤُلَاءِ مُشَبَّهُوْنَ للهِ، شَبَّهُوا الخَالِقَ بِالمَخْلُوْقِ، وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا). مُسْتَفَادٌ مِنْ كِتَابِ (التَّوَسُّلُ) (ص١٣٣) لِلشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.
(٧) وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَقَد دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرِيْعَةُ؛ وَفِيْهِ بَيَانُ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ عَلَى خَلْقِهِ؛ بِأَنْ جَعَلَ لَهُم مِنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُقَرِّبُ إِجَابَةَ دُعَائِهِم مِنْهُ ﷾.
وَالتَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ هُوَ أَيْضًا مِنْ نَفْسِ البَابِ، حَيْثُ دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرِيْعَةُ، وَفيْهِ بَيَانُ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى بِاسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الصَّالِحِيْنَ - إِنْ شَاءَ -.
(٨) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦).
(٩) وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الصَّالِحِيْنَ؛ فَصَحِيْحٌ أَنَّ صَلَاحَهُم أَيْضًا يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم مِنْ حَيْثُ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الثَّمَرَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم، فَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى الغَيْرِ، فَهُوَ - مِنْ جِهَةِ تَعَدِّي ثَمَرَةِ الصَّلَاحِ إِلَى الغَيْرِ -هُوَ كَحُسْنِ الجِوَارِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيْقِ، وَإِطْعَامِ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِيْنَ.
فَهَذَا كُلُّهُ - مِنْ جِهَةِ الثَّمَرَةِ - مُخَالِفٌ لِثَمَرَةِ جَاهِهِم وَشَرَفِهِم، لِأَنَّ الأَخِيْرَ مُخْتَصٌّ بِهِم، وَلَكِنَّهُ إِنْ تَحَلَّى بِالدُّعَاءِ يَكُوْنُ أَحْرَى بِالإِجَابَةِ، فَلَو أَنَّ رَجُلًا تَوَسَّلَ إِلَيكَ بِجَاهِ مَحْبُوْبٍ عِنْدَكَ؛ هَلْ يَكُوْنُ لَهُ نَفْسُ الأَثَرِ كَمَا لَو أَنَّ ذَلِكَ المَحْبُوْبَ هُوَ الَّذِيْ كَلَّمَكَ بِشَأْنِهِ، فَالأَوَّلُ غَائِبٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَشَافِعٌ. فَظَهَرَ الفَرْقُ وَالحَمْدُ للهِ.

1 / 424