التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
٤) أَنَّ عُمَرَ ﵁ عِنْدَمَا تَوَسَّلَ بِالعَبَّاسِ أَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ، فَقَد رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِالمُصَلَّى؛ فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ. فَقَامَ العَبَّاسُ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّ عِنْدَكَ سَحَابًا، وَإِنَّ عِنْدَكَ مَاءً فَانْشُرِ السَّحَابَ، ثُمَّ أَنْزِلْ فِيْهِ المَاءَ، ثُمَّ أَنْزِلْهُ عَلَيْنَا) فَذَكَرَ الحَدِيْثَ. (١)
٥) أَنَّ الحَدِيْثَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ جَاءَ مُصَرِّحًا بِلَفْظِ الاسْتِسْقَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ عِوَضًا عَنِ التَّوَسُّلِ بِهِ، كَمَا هُوَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَالإسْمَاعِيْلِيِّ (٢)، وَالاسْتِسْقَاءُ: هُوَ طَلَبُ السُّقْيَا كَمَا لَا يَخْفَى، فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى التَّوَسُّلِ هُنَا هُوَ الدُّعَاءُ. (٣)
٦) أَنَّ الفَارِقَ فِي قَوْلِ عُمَرَ بَينَ (كُنَّا) وَ(إِنَّا) - أَيْ الآنَ - إِنَّمَا هُوَ حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُوْنَ﴾ (المُؤْمِنُوْن:١٠٠).
وَقَد أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحَقِيْقَةِ الصَّحَابيُّ الجَلِيْلُ ابْنُ مَسْعُوْدٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ (عَلَّمَنِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّوْرَةَ مِنَ القُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ؛ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ - وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا -، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ - يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٤) (٥)
(١) مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (٤٩١٣). وَالأَثَرُ نَقَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٤٩٥/ ٢) وَسَكَتَ عَنْهُ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٤٩٥/ ٢): (وَأَمَّا حَدِيْثُ أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ فَأَشَارَ بِهِ أَيْضًا - أَيْ: البُخَارِيُّ - إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ - وَهُوَ عِنْدَ الإِسْمَاعِيْلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنَّى عَنِ الأَنْصَارِيِّ بِإِسْنَادِ البُخَارِيِّ إِلَى أَنَسٍ - قَالَ: كَانُوا إِذَا قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَسْقَوْا بِهِ فَيَسْتَسْقِي لَهُمْ فَيُسْقَوْنَ، فَلَمَّا كَانَ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ؛ فَذَكَرَ الحَدِيْثَ).
فَقَولُهُ: (فَيَسْتَسْقِي لَهُم) صَرِيْحٌ فِي أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَطْلُبُ لَهُم السُّقْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النِّهَايَةُ فِي غَرِيْبِ الحَدِيْثِ وَالأَثَرِ) (٩٦٢/ ٢): (الاسْتِسْقَاءُ - وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ - مِنْ طَلَبِ السُّقْيا: أَيْ: إنْزَالِ الغَيْثِ عَلَى البِلَادِ وَالعِبَادِ. يُقَالُ: سَقَى اللهُ عِبَادَهُ الغَيْثَ وَأَسْقَاهُم. وَالاسْمُ السُّقْيَا بِالضَّمِّ. واسْتَسْقَيْتَ فُلَانًا: إِذَا طَلَبتَ مِنْهُ أَنْ يَسْقِيَكَ).
(٣) وَأَيضًا فَقَد تَتَابَعَ عَمَلُ السَّلَفِ عَلَى التَّوَسُّلِ بُدُعَاءِ الصَّالِحِيْنَ كَمَا فِي خَبَرِ مُعَاوِيَةَ وَالضَّحَّاكِ ﵄ مَعَ يَزيدِ بْنِ الأَسْوَدِ الجُرَشِيِّ. وَقَد سَبَقَ.
(٤) البُخَارِيُّ (٦٢٦٥).
(٥) وَأَمَّا فِرْيَةُ مَنْ لَم تَشْعُرْ أَفْئِدَتُهُم بِتَقْوَى اللهِ فِي المُسْلِمِيْنَ؛ مِنْ أَنَّ سَبَبَ قَوْلِ مَانِعِي التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ والذَّاتِ هُوَ ظَنُّهُم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ أَثَرٌ ذَاتِيٌّ فِي النَّفْعِ وَالضُّرِّ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ فَلَمَّا مَاتَ لَم يَعُدْ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ! أَوْ أَنَّهُ لمَ يَعُدْ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى! وَأَنَّهُم بِذَلِكَ يَعْتَقِدُوْنَ - أَي السَّلَفِيُّوْنَ المُنْكِرُوْنَ لِلتَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ - النَّفْعَ وَالضُّرَّ فِي ذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ!
فَهَذَا مَحْضُ افْتِرَاءٍ وَكَذِبٍ - عَلَيْهِم مِنَ اللهِ مَا يَسْتَحِقُّوْنَ - وَإِنَّمَا الفَارِقُ عِنْدَنَا حَقِيْقَةً هُوَ إِمْكَانِيَّةُ الدُّعَاءِ مِنْهُ ﷺ، فَبَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ مُمْكِنًا، بِخِلَافِ زَمَنِ حَيَاتِهِ ﷺ، وَالفَيْصَلُ بَيْنَنَا وَبَينَهُم قَوْلُ عُمَرَ ﵁ (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا، فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا)، وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اِتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ، فَنَحْنُ سَلَفِيُّوْنَ وَهُمْ خَلَفِيُّوْنَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: (أُولَئِكَ آبَائِي؛ فَجِئْني بمِثْلِهِمْ ... إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيْرُ المَجَامِعُ).
1 / 415