414

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- الفَصْلُ الرَّابِعُ: شُبُهَاتٌ وَالجَوَابُ عَلَيْهَا:
- الشُّبْهَةُ الأُوْلَى) اسْتِسْقَاءُ عُمَرَ بِالعَبَّاسِ ﵄:
رَوَى البُخَارِيُّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁؛ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا؛ فَتَسْقِيْنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ) (١)، فَيَفْهَمُوْنَ مِنْ هَذَا الحَدِيْثِ أَنَّ تَوَسُّلَ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا كَانَ بِجَاهِ العَبَّاسِ ﵁ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ تَوَسُّلَهُ هُوَ مُجَرَّدُ ذِكْرٍ مِنْهُ للعَبَّاسِ فِي دُعَائِهِ؛ وَأَنَّهُ فَقَط طَلَبٌ مِنْهُ للهِ أَنْ يَسْقِيَهُم مِنْ أَجْلِهِ ﵃، وَقَدْ أَقَرَّتْهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ! فَأَفَادَ - بِزَعْمِهِم - مَا يَدَّعُوْنَ.
وَأَمَّا سَبَبُ عُدُوْلِ عُمَرَ ﵁ عَنِ التَّوَسُّلِ بِالرَّسُولِ ﷺ بِزَعْمِهِم أَيْضًا - وَتَوَسُّلِهِ بَدَلًا مِنْهُ بِالعَبَّاسِ ﵁؛ فَإِنَّمَا كَانَ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالمَفْضُولَ مَعَ وُجُوْدِ الفَاضِلِ لَيْسَ إِلَّا! أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيْثُ الضَّرِيْرِ! (٢)
وَالجَوَابُ (٣):
أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ ﵁ السَّابِقَ (وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا) فِيْهِ تَقْدِيْرٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُوْنَ (نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِجَاهِ عَمِّ نَبِيِّنَا) وَإِمَّا أَنْ يَكُوْنَ (نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِدُعَاءِ عَمِّ نَبِيِّنَا) وَالصَّوَابُ قَطْعًا هُوَ الثَّانِي، وَذَلِكَ لِعِدَّةِ مُلَاحَظَاتٍ:
١) أَنَّ النُّصُوْصَ الشَّرْعِيَّةَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَذَلِكَ بِكَوْنِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ تَضَافَرَتْ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالصَّالِحِيْنَ كَانَ بِإِتْيَانِهِم؛ فَيَدْعُوْنَ لَهُم، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵎ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوْكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُوْلُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيْمًا﴾ (النِّسَاء:٦٤). (٤)
٢) أَنَّ المُقَارَنَ بِهِ فِي التَّوَسُّلِ كَانَ (إِنَّا كُنَا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا، فَتَسْقِيْنَا) فَإِذَا عُلِمَتْ صِفَةُ هَذَا التَّوَسُّلِ الأَوَّلِ عُلِمَتْ صِفَةُ الآخَرِ - وَهُوَ مَوْضُوْعُ النِّزَاعِ -، وَالنَّاظِرُ فِي السُّنَّةِ يَجِدُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا قَحَطَوا جَاءَ بَعْضُهُم إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَطَلَبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ، وَلَو كَانَ المَقْصُوْدُ هُوَ التَّوَسُّلَ بِالجَاهِ لَبَقِيَ الطَّالِبُ فِي دَارِهِ وَتَوَسَّلَ بِهِ! - إِذْ إِنَّ الجَاهَ مَوجُوْدٌ فِي كِلَا الحَالَتَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى -. (٥)
٣) أَنَّ العَبَّاسَ ﵁ عِنْدَمَا تَوَسَّلُوا بِهِ قَامَ فَدَعَى (٦)، فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ تَوَسُّلَهُ هُوَ الدُّعَاءُ.

(١) البُخَارِيُّ (١٠١٠) عَنْ أنسٍ.
(٢) وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ قَرِيْبًا.
(٣) بِتَصَرُّفٍ يَسِيْرٍ وَزِيَادَةٍ عَمَّا فِي الأَصْلِ.
(٤) وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ رَاجِعْ مَسْأَلَةَ قِصَّةِ العُتْبِيِّ فِي مُلْحَقِ (قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكُ والبَرَكَةُ).
(٥) وَقَد سَبَقَ أَثَرُ أَنَسٍ ﵁ فِي إِتْيَانِ الأَعْرَابِيِّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ - فَطَلَبَ مِنْهُ الاسْتِسْقَاءَ لَهُم.
(٦) نَقَلَهُ الحَافِظُ العَسْقَلَانُّي ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ١٥٠) حَيثُ قَالَ: (وَقَدْ بَيَّنَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي الأَنْسَابِ صِفَةَ مَا دَعَا بِهِ العَبَّاسُ فِي هَذِهِ الوَاقِعَةِ وَالوَقْتَ الَّذِيْ وَقَعَ فِيْهِ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ العَبَّاسَ لَمَّا اسْتَسْقَى بِهِ عُمَرُ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ وَلَمْ يُكْشَفْ إِلَّا بِتَوْبَةٍ، وَقَدْ تَوَجَّهَ القَوْمُ بِيَ إِلَيْكَ لِمَكَانِي مِنْ نَبِيِّكَ، وَهَذِهِ أَيْدِيْنَا إِلَيْكَ بِالذُّنُوْبِ، وَنَوَاصِيْنَا إِلَيْكَ بِالتَّوْبَةِ فَاسْقِنَا الغَيْثَ)، فَأَرْخَتِ السَّمَاءُ مِثْلَ الجِبَالِ حَتَّى أَخْصَبَتِ الأَرْضُ وَعَاشَ النَّاسُ).

1 / 414