التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
٧) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالُ: إِنَّ مُرَادَ عُمَرَ هُوَ بَيَانُ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالمَفْضُوْلِ مَعَ وُجُوْدِ الفَاضِلِ، وَذَلِكَ لِأُمُوْرٍ؛ مِنْهَا:
أ) أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيْلَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَكْفِيْنَا القَوْلُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَتَوَسَّلُوا - بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَعْنَى التَّوَسُّلِ - بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ.
ب) أَنَّ أَحْرَجَ الأَوْقَاتِ - مِنَ القَحْطِ وَالجَدْبِ وَالجُوْعِ - لَا يُقْبَلُ فِيْهِ تَرْكُ الفَاضِلِ وَاللُّجُوْءُ إِلَى المَفْضُولِ! لَا سِّيَمَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِالقَوْلِ، أَوْ أَنْ يَتَوَسَّلَ بِهِمَا جَمِيْعًا. (١) (٢)
ج) أَنَّ التَّوَسُّلَ جَاءَ إِيْضَاحُ مَعْنَاهُ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَأعرَابِيِّ، وَأَيضًا بِدُعَاءِ العَبَّاسِ، سَوَاءً كَانَ المَقْصُوْدُ تَعْلِيْمَ الجَوَازِ أَمْ غَيْرَهُ، فَنَقُوْلُ إِذًا لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ ﷺ كَمَا تَوَسَّلَ بِهِ أَصْحَابُهُ - وَأَنَّى لَهُم ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُوْنَ﴾ (الزُّمَر:٣٠).
د) تَكْرَارُ التَّوَسُّلِ بِالعَبَّاسِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وجُوْدِ تِلْكَ الدَّعْوَى أَصْلًا؛ لِقَوْلِهِ (إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا؛ اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ). (٣) (٤)
(١) وَأَيضًا إِنَّ هُنَاكَ مِنَ المَفْضُوْلِ مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَعْلَى مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ التَّوَسُّلُ بِهِم؛ أَلَا وَهُوَ سَائِرُ الأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةُ الكِرَامُ المُقَرَّبُوْنَ - وَهُمْ أَحْيَاءٌ أَيْضًا -، وَلَكِنَّ الفَرْقَ كَمَا لَا يَخْفَى هُوَ أَنَّهُم أَمْوُاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ - بِالنِّسْبَةِ لِسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ - أَوْ غَيْرُ حَاضِرِيْنَ لِلدُّعَاءِ - بِالنِّسْبَةِ لِسَائِرِ المَلَائِكَةِ وَعَيْسَى ﵊. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوْفِيْقِهِ.
(٢) وَإِنَّ الانْصِرَافَ عَنِ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ لَو جَازَ - إِلَى التَّوَسُّلِ بِجَاهِ غِيْرِهِ؛ مَا هُوَ إَلَّا كَالانْصِرَافِ عَنِ الإِقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الإقْتِدَاءِ بِغَيْرِهِ - سَوَاءً بِسَوَاءٍ - إِذْ لَا مُقَارَبَةَ أَبَدًا بَيْنَهُ وَبَينَ غَيْرِهِ.
وَلَو أَنَّ إِنْسَانًا أُصِيْبَ بِمَكْرُوْهٍ فَادِحٍ؛ وَكَانَ أَمَامَهُ نَبِيٌّ، وَآخَرُ غَيْرُ نَبِيٍّ، وَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنْ أَحَدِهِمَا لَمَا طَلَبَهُ إِلَّا مِنَ النَّبيِّ، وَلَو طَلَبَهُ مِنْ غَيرِ النَّبِيِّ وَتَرَكَ النَّبِيَّ لَعُدَّ مِنَ الآثِمِيْنَ الجَاهِلِيْنَ الَّذِيْنَ يَسْتَبْدِلُوْنَ الَّذِيْ هُوَ أَدْنَى بِالَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ.
(٣) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ﵄؛ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي الاسْتِيْعَابِ (٢/ ٨١٤).
(٤) وَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يَرَى لِلعَبَّاسِ مَا يَرَى الوَلَدُ لِلْوَالِدِ؛ فَاقْتَدُوا بِرَسُوْلِ اللهِ وَاتَّخِذُوْهُ (أَي العَبَّاسَ) وَسِيْلَةً إِلَى اللهِ)! فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيْفَةٌ فِيْهَا دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ المَدَنِيُّ، وَهُوَ ضَعِيْفٌ كَمَا فِي التَّقْرِيْبِ (ص١٩٩) لِلحَافِظِ، وَقَد تَعَقَّبَ الذَّهَبِيُّ الحَاكِمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَائِلًا (دَاوُدُ: مَتْرُوْكٌ).
وَقَد ذَكَرَ لَهَا الشَّيْخُ الأَلبَانيُّ ﵀ ثَلَاثَ عِلَلٍ:
١ - دَاودُ بْنُ عَطَاءٍ؛ ضَعِيْفٌ.
٢ - سَاعِدَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ المُزَنِيُّ؛ لَمْ تُوْجَدْ لَهُ تَرْجَمَةٌ.
٣ - الاضْطِرَابُ فِي السَّنَدِ؛ فَتَارَةً عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِيْهِ مِنْ طَرِيْقِ هِشَام بْنِ سَعْدٍ، وَتَارةً عَنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهِشَامُ أَقْوَى مِنْ دَاوُدَ.
وَلَكِنْ أَيْضًا هَذِهِ الرِّوَايَةُ يَكُوْنُ فِيْهَا التَّوَسُّلُ مَحْمُوْلٌ عَلَى الدُّعَاءِ؛ لِوُجُوْدِ النُّصُوْصِ الصَّحِيْحَةِ الصَّرِيْحَةِ فِي ذَلِكَ.
1 / 416