وكذلك عدم القول هو المتيقن، ودلالة السكوت مشكوك فيها؛ ومن هنا كان الشطر الأول للقاعدة وثيق الصلة بالقاعدة الأساسية ((اليقين لا يزول بالشك)).
أما الفقرة الثانية فهي بمثابة الاستثناء مما قبلها، وهي قاعدة ذكرها علماء الأصول من الحنفية، فجعلوا السكوت في حكم النطق، وذلك في موضع تمسُّ الحاجة فيه إلى البيان(١)؛ فكما تدرك المعاني وتستخرج الأحكام من الألفاظ والعبارات، تؤخذ أحياناً من السكوت لدلالة القرائن المرجحة.
فهذه القاعدة هي أحد أنواع ((بيان الضرورة)) وفق اصطلاح الأصوليين من الحنفية؛ فإن النوع الثاني منها كما جاء في كشف الأسرار شرح أصول البزدوي هو: ((السكوت الذي يكون بدلالة حالة المتكلم))(٢).
وذلك إذا سكت مَن عليه البيان على أمر، فإنه لو كان يريد خلافه لبيَّنه، مثل سكوته - صلَّى الله عليه وسلَّم - على عدم الأذان والإِقامة لصلاة العيد. ومن هذا القبيل سكوت البكر البالغة عند الاستئذان بالزواج(٣)؛ فإن مثل هذا السكوت جُعل بياناً للرِّضا بسبب وجود مانع الحياء الذي يمنعها عن الإفصاح والنطق في هذه المناسبة.
ولقد تعرَّض الإِمام السمرقندي (٥٣٩هـ) لهذه القاعدة فقال ((السكوت يكون إذناً في مواضع))؛ ثم ذكر عدة مسائل تفريعاً على ذلك منها: ((... المشتري: إذا قبض السلعة بحضرة البائع، وسكت البائع: يكون إذناً بالقبض. وكذا إذا سمع الشفيع بالبيع فلم يطلب الشفعة، وسكت: يكون تسليماً للشفعة))(٤). ومن هنا يمكن القول بأنها قاعدة فقهية وأصولية.
ثم إن الفقرة الأولى هي الأصل، باعتبار أن المعاملات مربوطة بالعقود
(١) المصدر نفسه: ١٨١/١.
(٢) كشف الأسرار: ١٤٨/٣.
(٣) انظر: التفتازاني: التلويح على التوضيح: ٣٠/٢؛ وتيسير التحرير: ٨٤/١؛ وعلي حسب الله: أصول التشريع الإسلامي: ص ٢٩١ - ٢٩٢.
(٤) تحفة الفقهاء، (تصوير: بيروت، دار الكتب العلمية): ٢٨٦/٣ - ٢٨٧، كتاب المأذون.