كذكر كله. إذ لا يخلو إما أن يجعل ذكر البعض كذكر الكل فيعمل الكلام، أو لا يُجْعَل فيهمل، لكن الإِعمال أولى من الإهمال، فقلنا بعدم التجزؤ(١)، ولذلك لمّا ذكر الإِمام الحَصِيري هذه القاعدة، قيَّدها بما يفيد هذا المعنى إذ يقول: ((إنّ ذكر بعض ما لا يتجزأ کذكر كلّه ضرورة التصحيح))(٢).
وعدم التجزؤ يكون في نحو الطَّلاق والقصاص وغيرهما مما لا يقبل التجزؤ. فإذا قال: أنت طالق نصف طَلْقَة؛ أو بعضك طالق، طُلِّقت رجعيةً واحدةً(٣)، فذكر النصف هنا كذكر الكل، لأن الطَّلاق لا يقبل التجزؤ.
ومنها: إذا عفا مستحق القصاص عن بعضه، أو عفا بعض المستحقين سقط كلّه(٤). لأن القصاص لا يتجزأ؛ لأنه ليس من الممكن إماتة قسم من الإِنسان مع الإِبقاء على القسم الآخر منه حيّاً(٥).
***
١٩ - الساقط لا يعود كما أن المعدوم لا يعود، (م ٥١):
مفهوم القاعدة: أنه إذا أسقط شخص حقاً - من الحقوق التي يجوز له إسقاطها - يسقط ذلك الحقّ، وبعد إسقاطه لا يعود.
مما يتفرع عليها: لو كان لشخص على آخر دَيْن فأسقطه عن المدين، ثم بدا له رأي فندم على إسقاطه الدين عن ذلك الرجل، فلأنه أسقط الدين - وهو من الحقوق التي يحق له أن يسقطها - فلا يجوز له أن يرجع إلى المدين ويطالبه بالدين، لأن ذمته برئت من الدين بإسقاط الدائن حقّه فيه(٦).
(١) الأتاسي: شرح ((المجلة)): ١٦٥/١.
(٢) ((التحرير شرح الجامع الكبير)): ٦٠٠/١ - ٦٠١.
(٣) انظر: السبكي: الأشباه والنظائر، و: ٣١، (الوجه الأول)؛ والزركشي: المنثور في القواعد، (مطبوع)، تحقيق تيسير فائق أحمد محمود: ١٥٣/٣؛ والسيوطي: الأشباه والنظائر: ص ١٦٠؛ وابن نجيم: الأشباه والنظائر: ص ١٨٩؛ والأتاسي: شرح ((المجلة)): ١٦٥/١.
(٤) السيوطي: الأشباه والنظائر: ص ١٦١.
(٥) علي حيدر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام: ٥٥/١.
(٦) المصدر نفسه: ٤٨/١ - ٤٩.