وعلى هذا القصاص، فإنه حكم شرعي علته تعمد القاتل، غير أن التعمد لما كان خفياً جعل الشرع استعمال القاتل الآلة الجارحة المفرِّقة للأجزاء دليلاً على التعمد، فأقام دليل العلة مقام العلة في إثبات المعلول(١).
ومما يمكن تفريعه على هذه القاعدة: أن العمال والجباة والموظفين في بيت المال إذا توسَّعوا في الأموال، وظهر عليهم مظاهر الثراء، ولم يثبت بعد البحث والتحقيق لهم مورد رزق سوى تلك الوظيفة كان ذلك دليلاً على خيانتهم الباطنة، فللحاكم حينئذٍ مصادرتهم بأخذ الأموال وعزلهم، فهنا يقام دليل الخيانة من الأموال مقام الاطلاع على الخيانة(٢).
***
١٨ - ذكر بعض ما لا يتجزَّأ كذكر كلّه، (م ٦٣):
أوردها الدَّبُوسي بصيغة تتقارب مع الصيغة المذكورة في ((المجلة)) فقد قال: ((الأصل عند أصحابنا: أن ما لا يتجزَّأ فوجود بعضه كوجود كله))(٣).
وذكرها الزَّنْجاني بالصيغة التالية: ((ما لا يتجزأ فإثبات بعضه إثبات كله))(٤)، ونقلها العلاّمة السبكي عن بعض أئمة الشافعية بعنوان: ((ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلُّه، وإسقاط بعضه كإسقاط كلَّه))، ثم قال: وقد يعبّر عن الغرض بعبارة هي أعم من تلك فيقال: ((الحكم على بعض ما لا يتجزَّأ بنفي أو إثبات حكم على كلِّه))(٥).
وهذه القاعدة ذات مِساس بالقاعدة المشهورة ((إعمال الكلام أولى من إهماله)) باعتبار أنه إذا كان الإِعمال أولى، فكل ما لا يقبل التجزئة ذكر بعضه في الحكم
(١) المصدر نفسه: ١٨٥/١ - ١٨٦.
(٢) انظر: أحمد الزرقا: شرح القواعد الفقهية: ص ٢٨٢.
(٣) تأسيس النظر: ص ٦٠.
(٤) تخريج الفروع على الأصول، تحقيق د.أديب صالح، الطبعة الثانية: ص ٢٤٣.
(٥) تاج الدين السبكي: ((الأشباه والنظائر))، مخطوط، و: ٣١، (الوجه الأول)؛ و: ٣٢، (الوجه الأول).