١٠- البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة ، (م ٧٨)
البينة هي الحجة الواضحة، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتُم إنْ كُنْتُ على بَيِّنَة من رَّبِّي﴾(١)، والبينة ((حجة متعدية)) أي متجاوزة إلى غير من قامت عليه، وملزمة له، والإِقرار ((حجة قاصرة)) على نفس المقر لا تتجاوزه إلى غيره، لأن كونه حجة يبتني على زعمه، وزعمه ليس بحجة على غيره(٢)؛ وهذا ما نصَّ عليه الإِمام الكرخي بقوله: ((المرء يعامل في حق نفسه كما أقرَّ به، ولا يصدَّق على إبطال حقّ الغير ولا بإلزام الغير حقّاً))(٣).
ووجه الافتراق بين الأمرين أولاً: أن البينة لا تصير حجة إلاَّ بقضاء القاضي، وبما أن للقاضي ولايةً عامةً فينفذ قضاؤه في حق الجميع. وثانياً: أن الدلالة بالبينة كالدلالة بالحس شرعاً، وما يثبت من طريق الحس والمشاهدة ينسحب حكمه على سائر الناس، فالحكم على أحد الورثة بدَين على مورِّثهم، يتعدى إلى جميعهم.
وأما المقر فله ولاية على نفسه دون غيره، فتبقى هذه الحجة مقصورة على صاحبها مع قوَّتها(٤).
ولقد صاغ الإِمام الحَصِيْري هذه القاعدة بذكر هذا التوجيه إذ يقول: ((إن إقرار الإِنسان حجَّة عليه لا على غيره لقصور ولايته على نفسه. والبيِّنة حجة على الناس كافة لأنها إنما تصير حُجَّة بالقضاء))(٥).
١ - وبناءً على هذه القاعدة صح الإِقرار بلا وجود منازع ولا مواجهة خصم؛ واقتصر إقرار الوارث بدين على التركة على نفسه، فينفذ إقراره على نفسه بقدر حصته(٦).
(١) سورة هود: الآيات ٦٣، ٨٨.
(٢) أحمد الزرقا: شرح القواعد الفقهية: ص ٣٢٧.
(٣) أصول الكرخي، (مطبوع مع تأسيس النظر): ص ١١٢.
(٤) انظر الأتاسي: شرح ((المجلة)) ٢٢٢/١؛ والمحاسني: شرح ((المجلة)): ٩٩/١.
(٥) ((التحرير شرح الجامع الكبير)): ٥٠٥/٢.
(٦) انظر: أحمد الزرقا: شرح القواعد الفقهية: ص ٣٢٧.