ولا بأس أن أُورد هنا ما قاله نجم الدين الطوفي الحنبلي (٧١٦هـ) في معرض حديثه عن ((السبب)) ومعانيه لما فيه من تنوير القاعدة المذكورة مع ضرب الأمثلة :
- (( ... أطلق الفقهاء السبب على ما يقابل المباشرة، فقالوا: إذا اجتمع المتسبب والمباشر: غلبت المباشرة، ووجب الضمان على المباشر، وانقطع حكم التسبب. ومن أمثلته: لو ألقاه من شاهق، فتلقّاه آخرُ بسيف فقَدَّه، فالضمان على المتلقي بالسيف. ولو ألقاه في ماء مغرق، فتلقّاه حوت فابتلعه، فالضمان على الملقي لعدم قبول الحوت للضمان. ولولا ذلك لكان الضمان عليه؛ لأنه المباشر. وكذا لوفتح قفصاً عن طائر، بحيث لو ترك طار، فأخذه إنسان من القفص في يده، ثم أطلقه: كان الضمان على هذا، لأنه المباشر لتفويته. ولو حلَّ وعاء مائع، بحيث لو ترك سال، فجاء آخر فدفقه، فالضمان عليه، لأنه المباشر. وكذلك ما أشبه هذه الصور))(١).
ومن فروعها: لو حفر شخص بئراً في الطريق العام، فألقى أحد حيوان رجل في ذلك البئر ضَمِن الذي ألقى الحيوان، ولا شيء على حافر البئر؛ لأن حفر البئر في ذاته لا يستوجب تلف الحيوان، ولو لم ينضم إليه فعل المباشر لما تلف الحيوان بمجرد حفر البئر، ولكن إذا سقطت الدابة من تلقاء نفسها في ذلك البئر، أو وقع فيه الإِنسان، فالضمان على المتسبب لأنه ليس له حفر البئر في الشارع العام(٢).
كذلك لو دلَّ شخص سارقاً على مال إنسان فسرقه أو حرَّض شخصاً على القتل ففعل، فلا ضمان على الدال بل على السارق والقاتل(٣)؛ بخلاف ما لو أمر
(١) شرح مختصر الروضة في أصول الفقه، دراسة وتحقيق: الدكتور إبراهيم بن عبد الله بن محمد آل إبراهيم: ٤٤٩/٣ - ٤٥٠.
(٢) انظر: علي حيدر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام: ٨٠/١؛ والمحاسني: شرح ((المجلة)): ١١٤/١؛ وابن حمزة الحسيني: الفرائد البهية في القواعد الفقهية: ص ١٨٤.
(٣) انظر: أحمد الزرقا: شرح القواعد الفقهية: ص ٣٨٠؛ والبهوتي: كشاف القناع عن متن الإقناع: ٤ /١١٩.