المبحث الثاني
شرح قاعدتين مهمتين
١ - يُسْتَحَبُّ الخُرُوجُ مِنَ الخِلاف:
هذه قاعدة مهمّة ينبغي التمسك بها؛ لأن مآلها الاحتياط في الدِّين، وجلب المحبَّة والتأليف بين القلوب عن طريق نَبْذ الخلاف في مسائل الخَطْبُ فيها يسير؛ فإذا كان ترك بعض المُسْتَحَبَّات يؤدّي إلى المصلحة الرَّاجحة ورَدْمِ الخلاف لزم تركها؛ كما ترك النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - تغيير بناء البيت(١)، لِما رأى في إبقائه من تأليف القلوب؛ وكما أنكر ابن مسعود على عثمان - رضي الله عنهما - إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متِّماً، وقال: ((الخلاف شرّ))، وفي رواية: ((إني لأكره الخلاف))(٢).
(١) ينص على ذلك ما ورد عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: ((يا عائشة: لولا قومك حديث عهدهم - قال ابن الزبير: بكفر - لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين، باباً يدخل الناس وباباً يخرجون)). صحيح البخاري، ((باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدَّ منه)): ٤٣/١ - ٤٤.
(٢) هذا الأثر أورده الحافظ ابن حجر نقلاً عن سنن أبي داود بلفظ: ((إن ابن مسعود صلَّى أربعاً، فقيل له: عِبْتَ على عثمان، ثم صلّيت أربعاً، فقال: الخلاف شرّ؛ وفي رواية البيهقي: إنّي لأكره الخلاف)). انظر: فتح الباري، ((باب الصلاة بمنىٌ)): ٥٦٤/٢؛ وانظر: ابن تيمية: القواعد النورانية الفقهية: ص ٢٠ - ٢٢؛ وقواعد الزركشي، ((مخطوط))، و: ١٠٠، الوجه الثاني.
ووجه الدلالة في هذه الرواية هو أن عبد الله بن مسعود صلَّى متمّماً خلف عثمان - رضي الله عنهما - توقياً من الخلاف مع أنه نازعه في المسألة واعترض عليه. =