وجاء في أصول السرخسي: ((إن التمسك باليقين وترك المشكوك فيه أصل في الشرع))(١).
والإِجماع ناشىء عن الحديث الوارد في السنَّة المطهرة الذي سلف ذكره، وهو الأساس الذي تنبني عليه هذه القاعدة.
ثم هذا الاتفاق لا يتنافى مع أن يوجد شيء من الخلاف في التفريع على هذه القاعدة حسب اختلاف وجهات النظر وطرائق استنباط الفقهاء؛ كما أشار إلى ذلك الإِمام ابن دَقِيقِ العِيْد - بعد أن ذكر حديث عبد الله بن زَيد المتقدم ذكره - بقوله: ((والحديث أصل في إعمال الأصل وطرح الشك، وكأن العلماء متفقون على هذه القاعدة، لكنهم يختلفون في كيفية استعمالها))(٢).
مسألة يظهر فيها خلاف مذهبي بعد الاتفاق على القاعدة:
مثال ذلك: المسألة السالفة، التي نص عليها حديث عبد الله بن زَيد - رضي الله عنه - وهي وقوع الشك في الحدث بعد سبق الطهارة. فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة وكذلك الظاهرية إلى إعمال الأصل السابق وهو: الطهارة وطرح الشك الطارىء، وأجازوا الصَّلاة في هذه الحالة؛ لأن الطهارة متيقنة والمشكوك فيه ملغى؛ وفيما يلي نورد النصوص من مصادر المذاهب المذكورة حتى يتضح الأمر بجلاء:
جاء في ((الأشباه)) لابن نُجَيْم: ((من تيقّن الطهارة وشكَّ في الحدث فهو متطهر، ومن تيقُّن الحَدَث وشكَّ في الطهارة فهو مُحْدِث))(٣).
وذكر ذلك العلامة ابن عابدين فقال: ((إذا علم سبق الطهارة وشك في عروض الحدث بعدها أو بالعكس أخذ باليقين وهو السابق))(٤).
(١) أصول السرخسي، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، ط. بيروت، دار المعرفة ١٩١٣م - ١٣٩٣هـ): ١١٦/٢ - ١١٧.
(٢) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: ٧٨/١.
(٣) الأشباه والنظائر: ص ٦٢ . (٤) رد المحتار: ١ /١٥٠.