والسبب في ذلك أن الأحكام الفقهية تبنى على الظاهر، والوصول إلى اليقين يتعذر في كثير من الأحيان، فجوز الشرع اعتبار الظن الغالب لندرة خطئه وغلبة إصابته.
قال القرافي - رحمه الله -: ((الأصل أن لا تنبني الأحكام إلاّ على العلم، لكن دعت الضرورة للعمل بالظن لتعذّر العلم في أكثر الصور، فثبتت عليه الأحكام لندرة خطئه وغلبة إصابته، والغالب لا يترك للنادر، وبقي الشك غير معتبر إجماعاً ...))(١)، وهذا ما ذكره المَقَّري أيضاً.
ولنعلم هنا أن الظن في هذه القاعدة يجعل كالشك، فلا نقيم له وزناً إزاء اليقين، يقول العلامة ابن الوكيل الشافعي - رحمه الله -: ((المراد بالشك التردد في طرفي الوجود والعدم على التساوي؛ وليس المراد ذلك في هذا المقام، بل سواء كان شكّا أو ظنًّا لا يرفع اليقين السابق. هذا هو المعروف من الجمهور))(٢).
ويساند هذا المعنى ما جاء في القواعد والفوائد للعلامة البَعْلي الحنبلي تحت الفروع المتخرجة على العمل بالظن أنه: إذا تيقَّن الطهارة وشكّ في الحدث، أو تيقّن الحدث وشكَّ في الطهارة، قال غير واحد من الأصحاب: يبني على اليقين، ولا فرق بين أن يغلب ظنه أحدهما أو يتساوى الأمران(٣).
ومعنى القاعدة باختصار تام: أن ما كان ثابتاً مُتَيَّقَّناً، لا يرتفع بمجرد طروء الشك عليه، لأن الأمر اليقيني لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه، بل ما كان مثله أو أقوى.
ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه :
قبل أن نخلص إلى إيضاح هذه القاعدة ببيان الفروع المتخرجة عليها من الخليق بأن نعلم أن الأحكام الشرعية منزَّهة عن الشكوك والشبهات؛ وإنما المكلف هو الذي يعرض له الشك.
(١) الذخيرة: ١٦٨/١؛ وانظر: المقري: ((القواعد))، و: ١٤ - ١٥.
(٢) ابن الوكيل: ((الأشباه والنظائر))، ((مخطوط))، و: ١١٧، الوجه الأول.
(٣) القواعد والفوائد الأصولية: ص ٥.