التفسير المقبول ((لليقين)) وبيان مدلول القاعدة:
وفي ختام هذه التفاصيل ينبغي أن ندرك المفهوم الصحيح الذي تتضمنه هذه القاعدة.
فالذي يتبادر إلى الذهن أن معنى اليقين هنا هو الاستصحاب لما تيقن في الماضي وهو الأصل، وأطلق عليه اليقين مجازاً. والمراد من الشك هو الشك الطارىء بعد حصول اليقين(١)، فلا يتعين هنا إلاّ هذا المفهوم باعتبار أن اليقين لا يتصور مع وجود الشك إذ إنهما نقيضان.
وبجانب ذلك يجب أن يفسّر اليقين بمعنى الاستقرار الذي أشار إليه الجُرْجَاني بقوله: ((يقن الماء في الحوض إذا استقر)) كما سلف، ولا يراد به المعنى الذي بيَّنه ابن منظور وغيره بأنه نقيض الشك جرياً على اصطلاح علماء المنطق وعُرْفهم حيث عَبَّروا عنه: بالاعتقاد الجازم المطابق الثابت(٢).
فإن الاعتقاد الجازم يخرج به الظن وغلبة الظن، لأنه لا جزم فيهما؛ ومن المعلوم أن الظن الغالب يُعْتَدُّ به في الشرع، وتنبني عليه الأحكام، فلا عبرة بقول المناطقة هنا، لأن تفسيرهم لليقين لا ينسجم مع ما يقرره الشرع. وذلك لأن الأمر في كثير من الأحيان يكون في نظر الشارع يقيناً لا يزول بالشك في حين أن العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه، ومثال ذلك: الأمر الثابت بالبينة الشرعية، فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعَيان، مع أن شهادة الشهود لا تخرج عن كونها خبر آحاد يجيز العقل فيها السهو والكذب، وهذا الاحتمال الضعيف لا يخرج ذلك عن كونه يقيناً، لأنه لقوة ضعفه قد طُرح أمام قوة مقابله، ولم يبقَ له اعتبار في نظر الناظر(٣).
(١) انظر: السبكي: الإِبهاج في شرح المنهاج، تحقيق وتعليق: الدكتور شعبان محمد إسماعيل، (ط. القاهرة، مطبعة أسامة، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢م): ١٨٥/٣؛ وعلي حيدر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام: ٢٠/١.
(٢) كشاف اصطلاحات الفنون: ١٥٤٧/٦؛ والكفوي: الكليات، القسم الخامس: ص ١١٦.
(٣) انظر: أحمد الزرقا: شرح القواعد الفقهية: ص ٣٥.