عقود العقيان
عقود العقيان
وأما بعض احتجاجهم، أما قولهم: أن الشديدة نزلت بعد اللينة بستة أشهر أو سبعة، فليس في ذلك أرب لهم إذ هو يمكن الجمع بينهما، ويقول: الشديدة نزلت في من لم يتب، واللينة نزلت في من تاب، ورجع بنية صادقة وإبلاغ صحيح، ولا مؤمن كأسد الله حمزة رضي الله عنه فإنه قد أنزل الله تعالى في قاتلة وحسن التوبة عليه، فكيف يقال: لا توبة له، ثم يقول: إن كانت الشديدة نزلت أولا فهي محكمة لم يستوف حكمها، وفسر حكمها بآية الفرقان، وإن كانت اللينة نزلت أولا فآية سورة النساء نزلت أخرى، فنقول: استغنى بتفسيرها في الفرقان وإحالة حكم كامل في آية إلى آية أخرى موجود في القرآن الكريم، فأما الأخبار التي رووها فالرد عليهم إنا نقول: إنها أحادية ولا يعترض بها دليل العقل، والصريح في الكتاب الكريم، والسنة الشريفة.
وجه آخر أن بعضها رواية من لا يرفع به رأسا كعمرو بن العاص على أنه لم يرو منع التوبة، بل ليس إلا تعظيم ما فعل القاتل، وذلك مسلم، فمن أين أنه لا يقبل لذي ذنب عظيم توبة.
وأما خبر أبي الدرداء فقد قرنه بما يقبل التوبة فيه بلا خلاف، وهو المشرك فإذا تأول الخصم في المشرك فكذلك هذا إذ الطريق إليهما تصريحا وتأويلا واحده.
وأما خبر عبادة فليس بمخالف لنا، وذلك أنه إذا قتله وهو مسير بقتله ولا يندم على فعله فحينئذ [116] لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وذلك حكم كل عاص لله لا يتدارك نفسه بتوبة نصوح ولا رجوع صحيح، يوضحه ما رويناه أن جابرا قال: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله صلى الله عليه وآله: ثم أغتبط بقتله، قال: ((هم الذين يقتتلون في الفتنة فيقتل أحدهم ويرى أنه على هدى ولا يستغفر الله منه أبدا)).
إن قيل: فهذا حكم كل مذنب لا يتوب كما ذكرتم، فلماذا شدد في قتل المؤمن إذا؟
صفحه ۲۴۹