518

============================================================

الشهيد شح معالم العدل والتوحيل فهؤلاء هم الجاحدون لنبوته عليه الصلاة والسلام ثم نقول: إنكارهم لنبوته إما أن يكون على جهة العناد والميل، وإما أن لا يكون على جهة العناد، فالأولون قد أجمعت الأمة على أن عقابهم يكون مخلدا وأن عقوبتهم تكون أشد وأبلغ من غيرهم، وأما الآخرون الذين لم يعاندوا بل نظروا واجتهدوا بمبلغ وسعهم ومنتهى مقدورهم في البحث والنظر فلم يعرفوا صحة نبوته عليه الصلاة والسلام فقد اختلف العلماء فيهم، فزعم الجاحظ أن هؤلاء معذورون، وهو مذهب عبيد الله العنبري(1)، فإنه صوب جميع المجتهدين في الأصول، وليس ذلك على معنى أنهم مصيبون في تلك الاعتقادات، فإن ذلك يجر إلى السفسطة لأن حاصله اعتقاد المتناقضات، بل على معنى أن ذلك هو منتهى تكليفهم وغاية بحثهم ونظرهم، واعتذروا عن حالهم ذلك بأن حالهم كحال العاجز، والله تعالى يقول: (ليس على الأغمى حرج ولا على الأعرج حرج)(2)، وحالهم في التحير وتعذر بلوغ الغاية أشد من حال العاجز والأعمى، فإن الأعمى يمكنه الاستعانة في الشيء بغيره، وأما المتحير فقد استعان بكل أحد فما وجد ما يشفي غليله، فلا يليق بالحكمة أن يعذبه الله تعالى مع استفراغ الوسع وبذل الممكن في طلب الحق.

وذهب سائر العلماء إلى أن أدلة النبوة قريبة وبراهينها عتيدة، فلا يكونون معذورين في ترك العلم، والمعتمد في إيطال مذهبهم مسلكان: الأول أن السلف والخلف مجمعون إجماعا ظاهرا على أن اليهود والنصارى مهما كانا مصرين على اليهودية والنصرانية فإنهما غير معذورين في ترك التصديق بنبوة نبينا صلى الله ا- عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن مالك بن الخشخاش العنبري (100-168ه) ولي قضاء البصرة سنة سبع وخمسين وماثة بعد سوار، وكان من المعتزلة ثقة كبير القدر محمودا في القضاء من عقلاء الرجال، روى له مسلم حديثا وأبو داود في الناسخ والمنسوخ. الزركلي 282/4.

2- سورة الفتح: آية 17.

صفحه ۵۱۸