492

============================================================

النعهيد شح معالم العدل والتوحيل ويجوز أن نقول أيضا: إن الذم ليس يحق للعبد من كل الوجوه، فلهذا لم يصح منه إسقاطه؛ لأنه كما هو حق للمساء إليه فهو حق للمسيء؛ لأن له في ذلك لطفا يزجره عن مواقعة القبيح وارتكاب الفواحش، فلم يكن له إسقاطه.

المسلك الثاني إنا نعلم بالضرورة أن العفو إحسان، ونعلم أيضا بالضرورة أن كل احسان حسن، فوجب أن يكون العفو حسنا. وإنما قلنا إن كل عفو إحسان؛ فلأن الإحسان كما يكون بفعل الإحسان فقد يكون بترك العقوبة، ولا فرق في العقل بينهما، وإن كل واحد منهما معدود في الإحسان. وإنما قلنا إن كل إحسان حسن، فهذا أيضا معلوم ضرورة لا شك فيه، فثبت بما ذكرناه حسن العفو.

واحتج البغداديون بأن المكلف إذا علم أن العقاب واقع به لا محالة كان ذلك لطفا له في الامتناع عن القبائح، ومتى جوز العفو لم يمتنع عن مواقعة القبيح اتكالا منه على العفو، فيكون في ذلك إغراء بالقبيح، وإنه غير جائز.

والجواب من وجهين: أاحدهما أنا نقول: متى يقطع بكون العقاب لطفا إذا كان فيه مفسدة أو إذا لم يكن فيه مفسدة، فلم قلتم إنه لا مفسدة فيه حتى يمكنكم القطع بكونه لطفا من جهة العقل، ألا ترى أن تعجيل الثواب والعقاب أدعى في العقل إلى فعل الطاعة وترك المعصية، ومع ذلك لا يجب تعجيلهما؛ لأن فيه مفسدة. فهكذا هاهنا لا يقال: إن الله تعالى لما أخبر بأنه يعاقب العصاة علمنا أنه ليس في العقوبة جهة قبح؛ لأنا نقول: هذا الآن اعتراف بأنه لا طريق في العقل على القطع بالعقاب، وهذا بعينه خروج عن مذهبكم.

وثانيهما أن هذا منقوض بالتوبة، فإن المكلف إذا علم أنه لا تقبل توبته يكون أبعد عن فعل القبيح، ومع ذلك قلتم بوجوبها. فإن قالوا: ليس يعلم العاصي أنه يمهل للتوبة،

صفحه ۴۹۲