477

============================================================

المهيد شح معالمر العدل والنوحيل فثبت بظواهر هذه الآي أن الجنة والنار مخلوقتان، وللمنكرين لخلقهما شبهتان: الشبهة الأولى قالوا: لو كانت الجنة مخلوقة لما هلكت، وقد ثبت أن الأشياء هالكة، فيجب ألا تكون مخلوقة. وإنما قلنا إن الجنة لو خلقت لما كانت هالكة؛ لأن الله تعالى يقول: (أكلها دائم)(1)، والدائم هو الذي لا يزول ولا يتغير. وإنما قلنا إن الأشياء هالكة؛ فلأن الله تعالى قال: كل شييء هالك إلا وجهه.

والجواب من وجهين: أما أولا فلأنا لا نسلم أنها لو كانت مخلوقة لما هلكت، بل لا يمتنع عليها البطلان والعدم. فأما قوله: أكلها دائم. فإنه لا يمكن حمله على ظاهره؛ لأن الدائم هو الذي لا يفنى ولا يتغير، ومعلوم ضرورة أن مأكولات أهل الجنة تفنى وتعدم عند أكلهم لها فإذن هي غير دائمة، فثبت أنه لا يمكن إجراؤها على ظاهرها. فإذن لا بد من التأويل، فنقول: معنى كونها دائمة أن الله تعالى يحدث أمثالها عقيب عدمها، والدوام بهذا التفسير لا ينافي زوالها وتغيرها.

وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أنه لا يجوز عليها الهلاك والتغير فلم قلتم إن الجنة مندرجة تحت قوله: كل شيء هالك. ويؤيد هذا أنه ليس فيه إلا تخصيص العموم؛ وتخصيص العموم جائز، فإذا قام دليل على خلقها خصصناها من هذا العموم لا غير.

الشبهة الثالثة أنه لا فائدة في خلقهما قبل دخول المكلفين فيهما، وما لا فائدة فيه وجب تركه فيجب ألا يكونا مخلوقين.

والجواب أن في خلقهما لطفا ومصلحة للمكلفين وترغيبا لهم؛ لأنهم إذا علموا بكونهما - سورة الرعد: آية 35.

صفحه ۴۷۷