تمهيد في شرح
============================================================
الهيد شح معالم العدل والتوحيل المعتاد فإن المعلوم أن الشعراء والخطباء إذا تحدى بعضهم بعضا بشعر أو خطبة فإنه لا يتحداه إلا بمجموع أمرين: الفصاحة، والبلاغة. فإنه لم يعهد قط في زمانهم تحدي بعضهم بعضا بدقة معاني شعرهم ولا باشتماله على الإخبار بالأمور الغيبية ولا بعدم التناقض، بل التحدي ما كان فيما بينهم إلا بالبلاغة والفصاحة، فيجب أن يكون التحدي في القرآن واقعا بمجموع هذين الأمرين، ويجب أن يكون وجه إعجازه مجموعها كما ذكرناه، وهذا هو المعتمد عند أهل المعاني:.
لا يقال: لو كان وجه الاعجاز هو جمرع الفصاحة والبلاغة لوقعت معارضة من جهة العرب، فلما عجزوا عن معارضته علمنا أن وجه الاعجاز ليس آمرا يختص الفصاحة والبلاغة، وإنما هو أمر آخر. وإنما قلنا إنه لو كان وجه الإعجاز هو مجموع هذين الأمرين لوقعت معارضته من العرب؛ فلأن المرجع بالفصاحة والبلاغة ليس إلا جزالة الألفاظ وحسن النظم، وهما مقدوران للعرب؛ لأن مفردات الألفاظ مقدورة ومعلومة لهم والتركيب والنظم مقدوران ومعلومان لهم، فثبت أن وجه الإعجاز لو كان هو الفصاحة والبلاغة لوقعت معارضته من جهتهم مع توفر دواعيهم وإنما قلنا إنهم عجزوا عن معارضته؛ فلما تقدم، فبطل أن يكون وجه إعجازه هو مجموع الفصاحة والبلاغة.
لأنا نقول: هذا فاسد؛ لأنه يقتضي أن كل من عرف مفردات اللغة وعلمها وقدر على تركيبها وعلمه أن يكون متمكنا من الشعر مثل شعر امرئ القيس ومن الخطب مثل خطب قس بن ساعدة، وفساد هذا معلوم بالضرورة، والتحقيق آن التفاوت هاهنا راجع إلى آمور ثلاثة: فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني، ومراعاة أحوال النظم.
وتمام هذا البحث مقرر في علم البيان، ومقدار الغرض قد وفينا به.
صفحه ۴۴۶