تمهيد في شرح
============================================================
الشهيد شح معالم العدل والنوحيل الطريقة الثانية القياس، وتقريرها أن الواحد منا متى كان عالما بقبح القبيح وغنيا عنه وعالما باستغنائه عنه فإنه يستحيل منه أن يفعله، وإنما لم يفعله لأجل هذه الأمور، وإذا ثبت الحكم في الشاهد ثبت في الغائب.
فهذه أمور ثلاثة لا بد من كشفها وبيانها، وإنما قلنا إن الواحد منا لو كان عالما بقبح القبيح وغنائه عنه وعالما بكونه غنيا عنه فإنه لا يفعله؛ فلأنه إذا قيل له: إن صدقت أعطيناك درهما وإن كذبت أعطيناك درهما. وفرضنا أن الكذب والصدق مستويان من جميع الوجوه وقدرنا أن الإنسان لم يخالط أحدا من الخلق ولم يعتقد مذهبا ولا يدين بدين ولا اعتقد ثوابا ولا عقابا، فإنا نعلم بالضرورة أنه لا يختار الكذب على الصدق. وإنما قلنا إنه إنما لم يفعله لأنه عالم بقبحه وغني عنه وعالم باستغناثه عنه؛ فلأنا نعلم قطعا آنه متى كان حاصلا على هذه الأوصاف الثلاثة فإنه يستحيل منه فعله، ومتى قدرنا فقدها أو فقد واحد منها جاز أن يفعله، فلما دار الحكم وهو استحالة فعل القبيح منه عليها وجودا وعدما كان ذلك هو العلة؛ لأن الدوران طريق العلية. وإتما قلنا إن الحكم متى ثبت شاهدا وجب ثبوته في الغائب؛ فلأن العلة متى حصلت بكمالها فإنه يستحيل تخلف الحكم عنها، ولما ثبتت هذه الأمور في حقه على أتمه وأبلغه وجب ألا يكون فاعلا للقبيح، وهو المطلوب.
الأصل الثاني وهو أنه تعالى لا يخل بما هو واجب عليه في الحكمة.
فهو مبني على مقدمتين: الأولى أنه تعالى قد توفر داعيه إلى إيجاده وعدم صارفه عن وجوده.
والمقدمة الثانية أن كل من توفر دواعيه إلى إيجاد الفعل وعدم صارفه فإنه لا بد أن يفعله لا محالة.
صفحه ۳۹۰