384

============================================================

النمهيد شح معالم العدل والتوحيل وأما ثانيا فلأن الذين أنكروا العلم بالقبح والحسن عقلا وهم عدد يسير يجوز عليهم التواطؤ على الكذب على نفوسهم، والممتنع التواطؤ على الكذب من العدد الكثير، فأما القليل فلا.

الوجه الثالث أنا إذا عرضنا على العقل أن الواحد نصف الاثنين وأن العشرة أكبر من الواحد وعرضنا عليه حسن هذه القضايا وقبحها لم نجد جزم العقل في هذه الأمور مثل جزمه بالقضية الأولى.

والجواب أن كل واحد منهما معلوم بضرورة العقل، ولا ننكر كون أحدهما أجلى من الآخر، وكون غيره أجلى منه لا يخرجه عن أن يكون معلوما بالضرورة. ألا ترى أن العلم بأحوال النفس أقوى من الأمور المشاهدة، ولم تخرج المشاهدة عن أن تكون ضرورية، فهكذا في ما قلناه، فهذا هو الكلام على ما أوردوه من شبههم على طريق الإجمال.

الطريقة الثانية لهم مفصلة.

وحاصلها إيراد كل واحد من المقبحات العقلية بعينه ويستدلون على إبطال قبحه لوجه يعود اليه، ومجموعها آمور خمسة: أولها الكذب، قالوا: والذي يدل على أنه غير قبيح لوجه يعود إليه أن جهة قبحه إما أن تكون عائدة إلى مجموع الحروف أو إلى آحادها، والأول باطل؛ لأن مجموع الحروف لا وجود له أصلا؛ لأن الحاصل منه داثما ليس إلا حرف واحد، وما لا وجود له يستحيل أن يكون متصفا بصفة وأن يضاف إليه حكم، حتى يجعل تلك الصفة أو الحكم علة في القبح.

والثاني باطل أيضا؛ لأن كل ما كان كذبا كان خبرا، فلو كان كل واحد من الحروف كذبا لكان كل واحد منها خبرا، وهذا معلوم بطلانه.

صفحه ۳۸۴