382

============================================================

السهيد شح معالمر العدل والتوحيل فهذان المعنيان محتملان كما ترى، والأول هو السابق إلى الفهم، فإن كل من كان يستحي فإنه يجتنب كثيرا من الأفعال، وإن من لا يستحي فلا يلوي على شيء من ذلك، وليس كمن يقف به الحياء على فعل ما يجب وترك ما يقبح، وهذا لا يقدح فيما قلناه من أن العلم بوجوب بعض الأفعال وقبح بعضها علم ضروري لا مرية فيه، بل من طبعه الحياء فهو يريده مواظبة على فعل الواجبات وانكفافا عن القبيح، فكيف يقال بأن الحياء هو سبب في عدم العلم بهذه القضايا وهو المؤكد لها والقاضي بوجوبها وحسنها وقبحها على التمام والكمال، وليس العجب من هؤلاء الفلاسفة في إنكارهم هذه القضايا مع إنكارهم لما هو أدخل منها في الجلاء والظهور كاطباقهم على إنكار الاختيار، والعلم به ضروري أولى، لا مدفع له عند العقلاء، فإنهم يفرقون بين حركة اليد ونزول الحجر، وبعضهم أنكر الأمور المحسوسة، وبعضهم أنكر العلم بالتواتر، فمن لا يرجى فلاحه في هذه الأمور الظاهرة الجلية كيف يرجى فلاحه فيما هو دونها في الظهور، وليس إنكارهم هذه القضايا على ظهورها وجلائها إلا كإنكار أصحاب السفسطة لحقائق المعقولات، فكما أن إنكارهم لا يقدح في العلم بحقائق الأشياء وماهياتها فهكذا نقول: تمويه هؤلاء لا يطرق شكا علينا في العلم بهذه القضايا الظاهرة التي عززها الله في الفطر وركبها في العقول.

إنما العجب كله من أبي حامد حيث وافقنا على العلم بجميع المدارك العقلية وخالفنا في العلم بهذه القضايا، وقال: إن مستند الاستحسان والاستقباح ليس إلا ميل الطبع ونفاره.

فيلزم على سياق مذهبه هذا أن يكون الشيء الواحد حسنا قبيحا، فينبغي أن يكون الظلم حسناب لأنه يلاثم طبع الظالم ويميل إليه، وأن يكون قبيحا؛ لأنه يسوء المظلوم وينفر عنه طبعه، فيكون الشيء الواحد قبيحا حسنا، وهذا نكر على قائله وشناعة على ملتزمه.

لا يقال: كيف تدعون في العلم بهذه القضايا أنه ضروري مع اختلاف العقلاء في ذلك، فالأشعرية زعموا أن طريق العلم بها من جهة الشرع، ولولا ورد الشرع بها لم يكن لنا إلى

صفحه ۳۸۲