380

============================================================

النسهيد شح معالم العدل والتوحيل ومن علماء المسلمين من ذهب إلى هذه المقالة كالشيخ أبي حامد الغزالي، فإنه ذهب إلى أن هذه القضايا ليست معلومة بفطرة العقل وغريزته، وإنما هي أمور مشهورة عمدتها الالف والعادة وتتأيد بالأخلاق والطباع.

وهذا خطأ من هؤلاء، وركوب شطط فيما قالوه، ويدل على بطلان مذهبهم مسالك: المسلك الأول أن المعيار الصادق بين ما بعد من العلوم الضرورية وما بعد من العلوم النظرية هو أن ما كان معدودا من جملة الضروريات فإن العاقل يعلمه من غير اعتناء ولا تقدم بحث، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وأن الكل اكثر من الجزء. وما كان نظريا فلا بد فيه من العناية بتقديم مقدمات النظر وترتيبها وإعمال قوى النفس في طلب العلم النظري بها، وفي علمنا بأن العاقل يعلم ما ذكرنا من حسن بعض الأفعال وقبح بعضها ال ووجوب البعض من غير توقف على ترتيب مقدمات ولا سبق فكر أظهر دليل على أن العلم بها ضروري: المسلك الثاني لو كان العلم بهذه القضايا التي حكم العقل فيها بالحسن والقبح والوجوب من باب النظر والاستدلال لجاز ورود الشبهة فيها، كسائر الأمور النظرية، فإن من شأن ما كان معلوما بالنظر والاستدلال ورود الشبهة فيه، لا سيما مهما كثرت أصوله وامتدت حواشيه، فإنه يجوز آن يسهو عن شيء منها، فيكون سببا لورود الشبهة فيه.

فلو قلنا بأن العلم بهذه القضايا نظري لجاز ورود الشبهة كسائر العلوم الاكتسابية، فكنا نصدق من أخبرنا بأن أهل إقليم من الأقاليم سليمي العقول لا يفرقون بين الإحسان والاساءة والانصاف والظلم والمصادقة والعداوة وبين من عاملهم بالبر والمناصرة وبين من يعاملهم بقتل الآباء وانتهاك الحرم، ومن جوز ذلك فقد عاند وأصر على المكابرة وجاحد وفي هذا أعظم دلالة على كونه ضروريا لا مرية فيه.

صفحه ۳۸۰