تمهيد في شرح
============================================================
الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل منه ذلك الكلام مع أنه لا مضرة عليه فيه، وكذلك فإنا نعلم أنه يستحسن أمورا وإن كانت لا تلائم طبعه، فإن العاقل يستحسن رد الأمانات إلى أهلها وإن كان يستضر بردها، ويستحسن التفضلات وإنصاف المنعم وإن كان يشق عليه ويتعبه، فلو كان اشتهار هذه القضايا لأجل ميل الطبع أو نفاره لوجب أن يشتهر عند الظالم حسن الظلم كما يشتهر عند المظلوم قبح الظلم.
وبالجملة فمعتمدنا أن هذه نفرة يشهد ها العقل ويعترف بها، وعندهم آنها نفرة طبيعية، فان كان غرضهم بالطبيعية هو ما قررناه من شهادة العقل بالقبح والحسن في هذه الأمور فلا نزاع. وإن كان غرضهم غير ذلك فعليهم بيانه ، وهم عنه عاجزون.
الطرف الثاني إذا ثبت أن طريق معرفتها العقل كما قررناه، وهي معلومة بفطرة العقل وغريزته دون نظره وتفكره، فهذا هو مذهبنا وهو قول الجماهير من أهل العلم.
وذهب المتأخرون من الفلاسفة الإسلاميين كابن سينا وأبي نصر الفارابي إلى أن العلم بقبح هذه المقبحات وحسن المحسنات ووجوب الواجبات ليس حاصلا بفطرة العقل وضرورته، بل هذه القضايا يعبر عنها بالمشهورات، وحاصلها أمران: أحدهما تكرر هذه الأمور على السمع في مبدأ الصبا، واتفاق الأكابر وجماهير الخلق على قبولها لكثرة الإلف والاعتياد، واجتماع أهل البلدان عليها لاستصلاح معاشهم، فسارعت النفوس إلى قبولها.
وثانيهما كونها من مقتضيات الأخلاق وأحوال الطباع من الرقة والحياء والجبن وغير ذلك، ولو قدر الانسان نفسه وقد خلق عاقلا أنه لم يجر على اعتياد ولم يؤذن باصطلاح ولم يأنس بأحد ولا بخلق ثم وردت هذه القضايا على ذهنه لأمكنه الامتناع عن قبولها والجري على حكمها، وليست من باب ما يعلم بالضرورة كقولنا الاثنان اكثر من الواحد.
صفحه ۳۷۹