378

============================================================

النسهي شح معالم العدل والتوحيل لو فرضنا رفع أوامر الشرع ونواهيه عنا لعلمنا حسن التفضل واصطناع المعروف وقبح الكذب والسفه والإساءة، ويعلم ضرورة أن رجلا لو أخذ يذم رجلا غيره على ما لا تعلق له به كأن يذمه على أن السماء فوقه والأرض تحته من غير ما جرم ولا تقدم جناية، فإنهم يقضون بقبح صنيعه معه ويذمونه على ما فعل معه، ولا يعللون ذلك بالنهي ولا بورود الشريعة، ونجد ذلك من أنفسنا.

لا يقال: إن هذا الاستقباح والاستحسان إنما كان لنفرة طباعهم عن هذه الأمور، وميلها إلى ما يلائمها، ونحن لا ننكر الاستقباح والاستحسان بالعقل بهذا المعنى: لأنا نقول: إنا نعلم ضرورة أن العقل يستقبح أمورا وإن لم يكن فيها نفرة طبع. وبيانه بوجوه: أما أولا فهو أن أحدنا إذا كان له عدو وهو يحب نقصه ويشتهي ذمه وإسقاط مرتبته عند الناس، فلو جعل أحدنا يذم عدوه هذا بأنه يعلم أن العشرة أكثر من الخمسة ويعلم أن السماء فوقه والأرض تحته إلى ما أشبه ذلك ويذمه على أنه سخي وجواد وكريم، وفرضنا أنه كان يذمه بصوت طيب حزين يلتذ به سامعه، فان العقلاء يستقبحون ذلك منه، حيث ذمه بما لا يذمه العقلاء.

وأما ثانيا فالرجل العاقل إذا اعتقد أن العشرة نصف الخمسة وأن الإنسان حاصل في جهتين إلى غير ذلك من الجهالات فإن اعتقاد هذه الأمور لا يضر أحدا ولا يشق عليه، ومع ذلك فإن العقلاء يستقبحون ذلك.

وأما ثالثا فلأن العاقل إذا جعل يأمر الجمادات بالطيران في الهواء والمشي على الماء، وجعل يذمها بأنها لا تطيعه في أوامره، وجعل يكلم الأحجار ويخاطب الأشجار، وفرضنا أنه يكلمها ويخاطبها بصوت طيب حزين لذيذ، وأنه يستريح بذلك ويلائم طبعه، فإنه يقبح

صفحه ۳۷۸