قال شيخنا وتحقيق الامر اذا نقض المعترض على المستدل بمذهب المستدل وحده فقد اتفقا على انتقاض العلة أو الدليل هذا ينقضها بمحل النزاع وهذا بصورة النقض لكن اتفاقهما على انتقاضها اتفاق على فسادها فهو بمنزلة اتفاقهما على حكم الاصل وهذا دليل جدلى لا علمي لان موافقة أحدهما للآخر على صحة المقدمة أو فسادها لا يوجب له أن يكون عالما بها فعلى كل منهما فى نفس الامر أن يكون له مستند فى صحة المقدمة أو فسادها والا فالعلة اذا قام دليل صحتها من نص أو اجماع أو ايماء أو تأثير ونحو ذلك فهى دليل شرعى يجب على كل منهما طردها فهى حجة على هذا فى صورة الاستدلال وعلى هذا فى صورة النقض فترك أحدهما لاثباته ليس مبيحا للآخر الترك اذا قام موجبه كما أن موافقة أحدهما للآخر على مالا يعلم صحته ليس مبيحا له العمل الا اذا قام موجبه وكذلك أيضا لو نقض العلة بصورة مسلمة منهما لكن هذا دفع جدلى بمنزلة حجة جدلية يقول له أنت لا يصلح لك أن تأمرني باستشهاد من نعتقد كذبه أنا وأنت وأما أنا فيما بينى وبين الله فذاك شيء آخر حكمى فيه كحكمك نعم لو أمرتني ونفسك باتباع موجب هذا لاستقام كما أن أحد الخصمين لا يصلح له أن يكون حاكما ولا شاهدا على خصمه وان كان على الخصم فى الباطن أن يتبع الحق فما دام المعترض يعتقدا صحة الانتقاض لا يصلح له أن يأمر باتباع قول منتقض فاذا توقف عن هذا الإعتقاد أو قال أريد أن نتناظر حتى نعلم صحة الانتقاض أو فساده توجه منه ذلك فيقبل منه هذا السؤال فى مناظرة المشاورة لا فى مناظرة المجادلة سواء كان المقصود المشاورة فى صحة الدليل أو فى صحة الحكم وفرق بين المشاورة والمعاونة التى مقصودها استخراج مالم يعلم وبين المجادلة التى مقصودها الدعاء إلى ما قد علم والاول يدعو إلى حق مطلق والثاني يدعو إلى حق معين وعلى هذا فإذا عارضه المعترض بما هو دليل عند المستدل وحده فهو فى المعنى مثل النقض بمذهب المستدل فإن النقض معارضة فى الدليل كما أن المعارضة المطلقة معارضة فى الحكم وكأنه يقول هذا الدليل الذى ذكرته موقوف باتفاق منى ومنك أما عندك فلأنه معارض بهذا الدليل وأما عندي فلتخلف مدلوله فى صورة النزاع ويقول له هذا ليس بدليل سالم عندك فأنت لا تعتقد صحته فكيف تلزمنى بمدلوله والذي يقوله المستدل فى دفع هذه المعارضة بقوله المعترض فى دفع الاستدلال ألا ترى أن المعترض لو عارض بدليل عنده أو نقض بصورة يعتقدها فهما سواء وفى ذلك قولان يختار أصحابنا منعه وأما المستدل اذا استدل بما هو دليل عند مناظره فقط فهو فى الحقيقة سائل معارض لمناظره بمذهبه وهو سؤال وارد على مذهبه وهو استدلال على فساد أحد الامرين اما دليله أو مذهبه فينبغي أن يعرف وجوه الادلة والاسئلة وهذا فى الحقيقة استدلال على فساد قول المنازع بما لا يستلزم صحة قول المستدل بمنزلة اظهار تناقضه وهوأحد مقاصد الجدل قال يعنى القاضي لان الزامه يكون محتجا بما لا يقول به ومثبتا للحكم بغير دليل بخلاف الناقض فانه غير محتج بالنقض ولا مثبت للحكم به ومن وجه آخر حررته أن بهذا النقض يتتحقق اتفاقهما على العلة أما على أصل المعلل فبصورة الالزام وأما على أصل خصمه فبمحل النزاع وأما فى غير ذلك فقد اتفقا على اطراح الاصل الملزم أما أحدهما فلا يراه دليلا بحال وأما الآخر فلانه لما خالفه دل على أنه قد ترك لدليل عنده أقوى منه واذا حصل الاتفاق على تركه هاهنا بطل الزامه وكذلك ذكر القاضي وأبو الخطاب أن للمستدل أن ينقض علة السائل لانه تبين له أنها فاسدة عنده فلا يجوز أن يحتج بما هو فاسد عنده
صفحه ۳۸۷