572

عابدة أخرى كان ملك كثير المال وكانت له ابنة لم يكن له ولد غيرها، وكان يحبها حبا شديدا. وكان يلهيها بصنوف اللهو. فمكث كذلك زمانا، وكان إلى جانب الملك عابد، فبينا هو ليلة يقرأ إذ رفع صوته وهو يقول يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة سورة التحريم آية 6 فسمعت الجارية قراءته فقالت لجواريها: كفوا. فلم يكفوا وجعل العابد يردد الآية والجارية تقول لهم: كفوا. فلم يكفوا. فوضعت يدها في جبيها فشقت ثيابها فانطلقوا إلى أبيها فأخبروه بالقصة. فأقبل إليها فقال: يا حبيبتي ما حالك منذ الليلة? ما يبكيك? وضمها إليه. فقالت: أسألك بالله يا أبه، لله عز وجل دار فيها نار وقودها الناس والحجارة? قال: نعم. قالت: وما يمنعك يا أبه أن تخبرني? والله لا أكلت طيبا ولا نمت على لين حتى أعلم أين منزلي في الجنة أو النار?

عابدة أخرى نظر رجل إلى امرأة فقال: ما رأيت مثل هذا الحسن وهذه النضارة، وما ذاك إلا من قلة الحزن. فقالت: يا عبد الله، والله إني ليذبحني الحزن ما يشركني فيه أحد. قال: وكيف? قالت: ذبح زوجي شاة مضحيا، ولي صبيان يلعبان، فقال أكبرهما للأصغر: أريك كيف صنع أبي بالشاة? فعلقه فذبحه فما شعرنا به إلا متشحطا، فلما استعلت الضجة هرب الغلام ناحية الجبل فرهقه ذئب، فأكله، ونحن لا نعلم، وابتعه أبوه يطلبه فمات عطشا، فأفردني الدهر، قال: فكيف صبرك? قالت: لو رأيت في الجزع مدركا ما اخترت عليه.

عابدة أخرى

أبو بكر بن عبيد قال: حدثني عبيد الله بن محمد أنه سمع امرأة من المتعبدات تقول وبكت: والله لقد سئمت من الحياة حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقا إلى الله وحبا للقائه. قال: قلت لها: أفعلى ثقة أنت من عملك? قالت: لا والله، ولكن لحبي إياه وحسن ظني به، أفتراه يعذبني وأنا أحبه?

صفحه ۸۲