مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
عابد آخر قال أبو الأشهب السائح: رأيت بين الثعلبية والخزيمية غلاما قائما يصلي عند بعض الأميال. قد انقطع عن الناس. فانتظرته حتى قطع صلاته ثم قلت له: ما معك مؤنس? قال: بلى. قلت: وأين هو? قال: أمامي وخلفي ومعي وعن يميني وعن شمالي وفوقي. فعلمت أن عنده معرفة. قلت: أما معك زاد? قال: بلى. قلت: وأين هو? قال: الإخلاص لله عز وجل والتوحيد والإقرار بنبيه وإيمان صادق، وتوكل واثق. قلت: هل لك في مرافقتي? قال: الرفيق يشغل عن الله عز وجل ولا أحب أن أرافق أحدا فأشتغل به عنه طرفة عين فيقطعني عن بعض ما أنا عليه. قلت: أما تستوحش في هذه البرية وحدك? قال: إن الأنس بالله عز وجل قطع عني كل وحشة حتى لو كنت بين السباع ما خفتها ولا استوحشت منها. قلت: فمن أين تأكل? فقال: الذي غذاني في ظلم الأحشاء والأرحام صغيرا قد تكفل برزقي كبيرا. قلت: ففي أي وقت تجيئك الأسباب? قال: لي حد معلوم ووقت مفهوم إذا احتجت إلى الطعام أصبته في أي موضع كنت ، وقد علم ما يصلحني وهو غير غافل عني. قلت: ألك حاجة? قال: نعم. قلت: وما هي? قال: إن رأيتني فلا تكلمني ولا تعلم أحدا أنك تعرفني. قلت: لك ذلك، فهل حاجة غيرها? قال: نعم. قلت: وما هي? قال: إن استطعت أن لا تنساني في دعائك عند الشدائد إذا نزلت بك فافعل، قلت: كيف يدعو مثلي لمثلك وأنت أفضل مني خوفا وتوكلا? قال: لا تقل هذا إنك قد صليت لله عز وجل وصمت قبلي ولك حق الإسلام والمعرفة الإيمان. قلت: فإن لي أيضا حاجة. قال: وما هي? قلت: ادع الله لي. فقال: حجب الله طرفك عن كل معصية، وألهم قلبك الفكر فيما يرضيه حتى لا يكون لك هم إلا هو. قلت: يا حبيبي متى ألقاك? وأين أطلبك? فقال: أما في الدنيا فلا تحدث نفسك بلقائي فيها وأما الآخرة فإنها مجمع المتقين فإياك أن تخالف الله فيما أمرك وندبك إليه، وإن كنت تبتغي لقائي فاطلبني مع الناظرين إلى الله تبارك وتعالى في زمرتهم. قلت: وكيف علمت ذاك? قال: بغض طرفي له عن كل محرم، واجتنابي فيه كل منكر ومأثم، وقد سألته أن يجعل جنتي النظر إليه. ثم صاح وأقبل يسعى حتى غاب عن بصري.
عابد آخر
قال ذو النون: حججت سنة إلى بيت الله الحرام فضللت عن الطريق ولم يكن معي ماء ولا زاد فأشرفت على الهلكة، فلاحت لي أشجار كثيرة ومحراب، فطرحت نفسي في ظل شجرة. فلما غربت الشمس إذا أنا بشاب متغير اللون نحيل يؤم المحراب، فركل برجله ربوة من الأرض فظهرت عين تبض بماء عذب. فشرب وتوضأ وقام في محرابه فقمت إلى العين فشربت ماء عذبا وتوضأت وقمت أصلي بصلاته، حتى برق عمود الصبح، فلما رأى الصبح وثب قائما على قدميه ونادى بأعلى صوته: ذهب الليل بما فيه، وأقبل النهار بدواهيه ولم أقض من خدمتك وطرا، آه، خسر من أتعب، لغيرك بدنه، وألجأ إلى سواك هممه. فلما أراد أن يمضي ناديته: بالذي منحك لذيذ الرغب وأذهب عنك ملال التعب إلا خفضت لي جناح الرحمة فإني غريب أريد البيت الحرام وقد ضللت. فقال: يا بطال وهل قطع بوفده دون البلوغ إليه? ثم قال: اتبعني فرأيت الأرض تطوى من تحت أرجلنا حتى رأيت المحجة وسمعت ضجة فقال: ها قومك. ثم أنشأ يقول:
من عامل الله بتقواه وكان في الخلوة يرعاه
سقاه كأسا من صفا حبه يسلبه لذة دنياه
فأبعد الخلق وأقصاهم وانفرد العبد بمولاه
ومن المصطفين الذين لقوا عند الإحرام
عابد
قال ا بن الجلاء: كنت بذي الحليفة وأنا أريد الحج والناس يحرمون، فرأيت شابا قد صب عليه الماء يريد الإحرام وأنا أنظر إليه. فقال: يا رب أريد أن أقول: لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن تجيبني لا لبيك ولا سعديك.
وبقي يردد هذا القول مرارا كثيرا وأنا أتسمع عليه. فلما أكثر قلت له: ليس لك بد من الإحرام فقل فقال: يا شيخ أخشى إن قلت لبيك اللهم لبيك أجابني بلا لبيك ولا سعديك. فقلت له: أحسن ظنك وقل معي: لبيك اللهم لبيك. فقال: لبيك اللهم. وطولها، وخرجت نفسه مع قوله اللهم، فسقط ميتا.
صفحه ۶۹