مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
عابد آخر في جبل قال قاسم الجرعن: خرجت حاجا على طريق الشام، فبينا أنا أسير في الليل إذ غلطت الطريق فسمعت صيحة فإذا أنا بجماعة قد مسهم من الغلط مثل الذي مسني، وقد وقفوا على رجل من المتعبدين في جبل وهو يبكي ويقول في بكائه: أترى بكائي نافعي عندك ومنقذ رقبتي من حكمك? أتراك آخذا من نفسي بحقك وموبخها على رؤوس الأشهاد بما ضيعت من أمرك? ثم صاح: آوه لكشف سترك عني، آوه لوقوفي بين يديك يا سيداه، فقال له بعض القوم: إنا غلطنا الطريق. فقال: وأنا أيضا قد غلطت الطريق، فمن لي ولكم بالاستقامة على وجهها? ثم قال: يا دليل الأدلاء دلني ودلهم ولا تحيرني وإياهم.
قال: فكشف لنا عن الطريق فسلكناها وتركناه واقفا في صومعته.
عابد آخر في جبل
عن بعض السلف أنه قال: رأيت في بعض الجبال شابا أصفر اللون غائر العينين، مرتعش الأعضاء، لا يستقر على الأرض، كأن به وخز الأسنة، ودموعه تتحادر. فقلت له: من أنت? فقال: آبق من مولاه. قلت: فتعود وتعتذر. فقال: العذر يحتاج إلى إقامة حجة فكيف يعتذر المقصر? فقلت: تتعلق بمن يشفع فيك. فقال: كل الشفعاء يخافون منه? قلت: فمن هو قال: مولاي رباني صغيرا فعصيته كبيرا، شرط لي فوفاني، وضمن لي فأعطاني، فخنته في ضماني، وعصيته وهو يراني، فواحيائي من حسن صنعه وقبيح فعلي. فقلت: أين هذا المولى? فقال: أين توجهت لقيت أعوانه، وأيت استقرت ف قدمك ففي داره. فقلت: ارفق بنفسك فربما أحرقك هذا الخوف. فقال: الحريق بنار خوفه - لعله يرضى - أحق وأولى. ثم أنشأ يقول:
لم يبق خوفك لي دمعا ولا جلدا لا شك أني بهذا ميت كمدا
عبد كئيب أتى بالعجز معترفا وناره تحرق الأحشاء والكبدا
صفحه ۴۷