مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
قال ذو النون: بينا أنا أسير في بلاد الشام فإذا أنا بعابد قد خرج من بعض الكهوف فلما نظر إلي استتر بين تلك الأشجار. ثم قال: أعوذ بك سيدي ممن يشغلني عنك، يا حبيب التوابين، ومعين الصادقين، وغاية أمل المحبين، ثم صاح: واغماه من طول البكاء وطول الحزن واكرباه من طول المكث في الدنيا. ثم قال: سبحان من أذاق قلوب العارفين به حلاوة الانقطاع إليه، فلا شيء ألذ عندهم من ذكره والخلوة بمناجاته. ثم مضى ... 0 ومن عابدات جبال الشام قال ذو النون: كنت سائرا في بعض جبال الشام فإذا أنا بكوخ فقصدته فإذا أنا بعجوز قد عميت من البكاء. فدنوت منها فسلمت وقلت: يا عجوز حدثيني ما الغنى? قالت: الزهد في الدنيا. قلت: فما الزهد في الدنيا? قالت ترك طلب المفقود حتى يفقد الموجود.
ذكر المصطفين من عباد جبال غير معروفة المكان
عابد في جبل
أن عابدا كان يتعبد في جبل، يؤتى بقوته كل يوم قرصين. قال سفيان: وقال غير مسعر: كان يأتيه طير أبيض. قال فأتاه ذات يوم بقوته فجاءه سائل فأعطاه أحد القرصين. ثم أتاه سائل آخر فكسر القرص الثاني نصفين فأعطاه النصف وبقي النصف لنفسه، ثم قال والله: ما هذا النصف بالذي يغني عن هذا شيئا، ولا هذا النصف بالذي يكفيني، ولأن يشبع واحد خير من أن يجوع اثنان. فسلم القرص كله للسائل وبات طاويا، فأتي في منامه فقيل له: سل. فقال: أسأل المغفرة. فقيل له: هذا شيء قد أعطيته فسل. قال أسأل أن يغاث الناس. قال: وكان عام جدب فأغيثوا.
عابد آخر على جبل
قال رجل من أهل الشام أنه دخل كهف جبل في ناحية عن طريق الناس. فإذا هو بشيخ مكتوب على وجهه، وإذا هو يقول: إن كنت تطيل جهدي في دار الدنيا وتطيل شقائي في الآخرة فلقد أهملتني وأسقطتني من عينك أيها الكريم، قال: فسلمت فرفع رأسه فإذا دموعه قد بلت الأرض. فقال: ألم تكن الدنيا لكم واسعة وأهلها لكم أناسا? فلما رأيت من عقله ما رأيت قلت له: رحمك الله اعتزلت الناس واغتربت في هذا الموضع? فقال: وأنت يا أخي، فحيثما ظننت أنه أقرب لك إلى الله عز وجل فابتغ إلى ذلك سبيلا فلن يجد مبتغوه من غيره عوضا. قال: قلت: فالمطعم? قال: أقل ذلك عند الحاجة إليه إذا أردنا ذلك: فنبت الأرض وقلوب الشجر. قال: فقلت: ألا أخرجك من هذا الموضع فآتي بك أرض الريف والخصب? قال: فبكى ثم قال: إنما الريف والخصب حيث يطاع الله عز وجل، وأنا شيخ كبير أموت الآن ، لا حاجة لي بالناس.
صفحه ۴۶