مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
قال عبد الله بن سهل: سمعت حاتما الأصم يقول: اختلفت إلى شقيق ثلاثين سنة، فقال لي يوما: أي شيء تعلمت? فقتل: رأيت رزقي من عند ربي فلم أشتغل إلا بربي، ورأيت أن الله تعالى وكل بي ملكين يكتبان علي كل ما تكلمت به فلم أنطق إلا بالحق، ورأيت أن الخلق ينظرون إلى ظاهري والرب تعالى ينظر إلى باطني، فرأيت مراقبته أولى وأوجب، فسقطت عني رؤية الخلق، ورأيت أن الله مستحثا يدعو الخلق إليه فاستعددت له متى جاءني لا أحتاج يقتلني، يعني ملك الموت. فقال لي: يا حاتم ما خاب سعيك.
قال حاتم لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت منه، وكلامك يعرض على الله تعالى فلا تحترز.
قال حاتم لي أربع نسوة وتسعة من الأولاد، ما طمع الشيطان أن يوسوس لي في شيء من أرزاقهم.
قال حاتم الأصم: ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل? وما تلبس? وأين تسكن? فأقول: آكل الموت وألبس الكفن وأسكن القبر.
وقال رجل لحاتم ما تشتهي? قال: أشتهي عافية يوم إلى الليل، فقيل له: أليست الأيام كلها عافية? قال: إن عافية يومي أن لا أعصي الله فيه.قال: وقال حاتم: تعهد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله إليك، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك.
قال حاتم: لقينا الترك وكان بيننا جولة فرماني تركي بوهق فقلبني عن فرسي ونزل عن دابته فقعد على صدري وأخذ بلحيتي هذه الوافرة وأخرج من خفه سكينا ليذبحني. فوحق سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينه،
إنما كان قلبي عند سيدي أنظر ماذا ينزل به القضاء منه. فقلت: سيدي قضيت علي أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين، إنما أنا لك وملكك فبينا أنا أخاطب سيدي وهو قاعد على صدري آخذ بلحيتي ليذبحني،
إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه، فسقط عني فقمت أنا إليه فأخذت السكين من يده فذبحته، فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند السيد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات ..... ...
صفحه ۴۴۵