Majmū‘ al-Fatāwá Ibn Taymiyyah
جموع الفتاوى ابن تيمية
============================================================
المفاسد غنية والمؤمن قد أغناه الله بحلا له عن حرامه وبفضله عمن سواه ومن يتق الله يجعل له خرجا ويرزفه من حيث لا يحتسب* وفى سنن ابن ماجه وغيره عن أبى در أن هذه الآية لما نزلت قال النبى صلى الله عليه وسلم يا أباذر لو أن الناس كلهم عملوا بهذه الآية لوسعتهم وقد بين سبحانه في هذه الآية ان المتقى يدفع عنه المضرة وهو أن يجعل له مخر جامما ضاق على الناس ويجلب له المنفعة يرزقه من حيث لا يحتسب. وكل ما يتغذى به الحي مما تستربح به النفوس وتحتاج اليه فى طيبها والنشراحها فهو من الرزق والله تعالى يرزق ذلك لمن اتقاه بفعل المأمور وترك المحظور.
ومن طلب دلك بالثرد والشطرنج ونحوهما من الميسر فهو بمنزلة من طلب ذلك بالخر وصاحب الخر يطلب الراحة ولا يزيده الاتعبا وغما وان كانت تفيده مقدار امن السرور فما يعقبه من المضارء ويفوته من المسار. أضعاف ذلك كما جرب دلك من جربه وهكذاسائر المحرمات * ومما يبين ان الميسر لم يحرم لمجرد اكل المال بالباطل وان كان اكل المال بالباطل محرما ولو تجرد عن الميسر فكيف اذا كان في الميسر بل فى الميسر علة أخرى غير اكل المال بالباطل كما في الخر أن الله قرن بين الخر والميسر وجعل العلة فى تحريم هذا هى العلة فى تحريم هذا ومعلوم ان الخرلم تحرم لمجرد اكل المال بالباطل وان كاناكل ثمنها من اكل المال بالباطل فكذلك الميسر . يبين ذلك ان الناس اول ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر والميسر أنزل الله تعالى (يسالونك عن الخر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس وائمهما اكبر من نفعهما) والمنافع التى كانت قيل هى المال . وقيل هي اللذة ومعلوم ان الخر كان فيها كلا هذين فانهم كانوا ينتفعون بثمنها والتجارة فيها كما كانوا ينتفعون باللذة التي فى شربها ثم انه صلى الله عليه وسلم لما حرم الخرلعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وحاملها والمحمولة اليه وسافيها وشاربها وآكل ثمنها وكذلك الميسر كانت النفوس تنتفع بما تحصله به من المال وما يحصل به من لذة اللعب. ثم قال تعالى (واثمهما اكبر من نفعهما) لان الخسارة فى المقامرة اكثروالا لم والمضرة فى الملاعبة اكثر ولعل المقصود الاول لا كثر الناس بالميسر انما هو الانشراح بالملاعبة والمغالبة كما ان المقصود الاول لاكثر الناس بالخمر انما هو ما فيها من لذة الشرب وانما حرم العوض فيها لانه أخذ مال بلا منفعة فيه فهو اكل مال بالباطل كما حرم ثمن الخمروالميتة والخنزير والاصنام فكيف تجعل المفسدة المالية هى حكمة النهى فقط وهى تابعة وتترك المفسدة الاصلية التى هى فساد العقل والقلب
صفحه ۱۷