647

الى رأي الحكام دون تحديد ثابت، فإن من اللازم تحديد السبب أي تحديد الحالة الجرمية التي يستحق الإنسان بها التعزير. وهذا ما فعله الفقهاء، فقد نصبوا لما يوجب التعزير ضابطا عاما فقالوا: الضابط أن كل من ارتكب م نكرا، أو آذى غيره بغير حق، بقول أو بفعل أو إشارة، يلزمه التعزير.

رر: الدر المختار ورد المحتار 182/3 و185) .

فيدخل في عموم هذا الضابط جميع الجرائم المخلة بالنظام، سواء أكانت عدوانا من بعض الناس على بعض في النفس أو المال، كالضرب والشتم والإرهاب والتزوير وشهادة الزور والغش والاحتيال وما شاكلها؛ أوا كانت انتهاكا للحرمات الدينية وجهرا بالمعاصي، كإفطار رمضان والاستهزاء بالدين، والدعوة إلى الزندقة، والإخلال بالآداب العامة، وما أشبه ذلك.

ويدخل أيضا في ارتكاب المنكر إهمال الواجبات الدينية، ومن جملتها التعليم والتعلم. فإذا قصر العالم في واجب التعليم، أو قصر الجاهل في علم القدر الواجب شرعا من العلم استحقا عقوبة التعزير على التقصير، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"(1) .

(1) ذكر الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب في كتاب العلم 86/1، أن رسول الله خطب ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا، ثم قال: لاما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم، ولا يعلمونهم، ولا يعظونهم ولا يأمرونهم، ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون، ولا يتعظون؟ والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم، ويعظونهم، ويامرونهم، وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون، ويتعظون، أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا" .

فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء؟ قالوا: عنى الأشعريين، هم قوم فقهاء، ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب. فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله فقالوا: يا رسول الله، ذكرت قوما بخير، وذكرتنا بشر، فما بالنا؟ فأعاد عليهم إنذاره.

فقالوا: يا رسول الله، أنفطن غيرنا؟ فأعاد قوله عليهم. فأعادوا قولهم: أنفطن غيرنا؟

فأعاد أيضا قوله عليهم: فقالوا يا رسول الله أمهلنا سنة. فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم، ويعظوهم. ثم قرأ رسول الله قول الله تعالى في القرآن:

صفحه ۶۹۲