مدخل فقهی
المدخل الفقهي العام
ناشر
دار القلم
/49 - ومتى ثبتت هذه الجرائم بمثبتاتها المقبولة شرعا ووجبت حدودها لا يجوز فيها عفو من المجني عليه، ولا تسامح من ولي الأمر الحاكم، لأنها من حقوق الشرع التي تسمى: حقوق الله، إذ تتعلق بإقامتها صيانة ناحية أساسية من نظام المجتمع الإسلامي، وهي حفظ الضروريات االخمس : الدين، والنفس، والتسل، والعقل، والمال.
الا أن حد القذف من بين هذه الحدود يفترق عن سائرها بأن الاجتهادات الإسلامية تكاد تكون متفقة على أنه ليس حقا خالصا للشرع الا بل فيه حق شخصي وحق شرعي. ولذلك يشترط في إقامته الادعاء الشخصي من المقذوف لو حيا، أو من أحد أصوله أو فروعه إن كان المقذوف ميتأ حين القذف، ويسقط الحد بعفوهم(1) .
(1) يقول الأستاذ المحامي الدكتور صبحي المحمصاني في بحثه عن العقوبات في الشريعة الاسلامية ما نصه: لا بد من التذكير ثانية بأن العقوبات لا يمكن أن توزن بميزان واحد ثابت، بل إنها مرتبطة بالوقت والمكان اللذين وضعت وطبقت فيهما. وإذا كان قسم منها لا يروق بعض الناس اليوم فليس معنى ذلك أنه غير صالح حتى اليوم الحاضر.
فقطع يد السارق، كغيره من الحدود، لا يطبق إلا بعد التروي والتدقيق وبلوغ الحاكم، ويسقط بالشبهات. ولا ريب في أنه كان ضروريا في المجتمع العربي، وأنه لا يزال نافعا ومفيدا في كثير من الأقطار اليوم . يؤيد ذلك ما يردنا من أخبار البلاد الحجازية أن السرقة أصبحت نادرة فيها بعد أن أوجبت الحكومة السعودية تطبيق العقوبة الإسلامية.
انظر كتاب "يقظة العرب" لجورج أنطونيوس، تعريب الأستاذ الركابي من دمشق ص379 وما بعدها) . والخبير في الأمور الجزائية يجزم بأن مثل هذه العقوبة ضرورية للصوص المحترفين في أيامنا الحاضرة متى ثبت أن العقوبات العصرية لا تؤدي إلى المقصود منها.
ففما بالك بلص شهير محترف تتوالى عليه الأحكام وهو يفتخر بحيله اللصوصية، فم إذا خرج من السجن لا يلبث أن يعود دون ترددة فهل يضير المجتمع الإنساني أن يخسر هذه اليد الأثيمة، ويمنع صاحبها من التكرار والاستمرار، ويزجر به غيره؟ وهل تعد الهيئة الاجتماعية قاسية إذا حمت نفسها بهذه الصورة اضطرارا ويأسأ من تأديب أمثال من ذكر؟
صفحه ۶۷۶